حقائق وليس تَصوُّرات

صالح القلاب 

 اتفق مدير الاستخبارات الفرنسية برنار باجوليه ومدير وكالة الاستخبارات المركزية الاميركية «سي.آي.ايه» جون برينان خلال اجتماع استخباري في جامعة جورج واشنطن على: «ان الشرق الأوسط الذي نعرفه قد انتهى الى غير رجعة وانه من المشكوك فيه بان يعود مجدداً.. نحن نرى ان سوريا مقسمة على الأرض وان النظام لا يسيطر إلا على جزء صغير من البلد أي ثلث الدولة التي تأسست بعد الحرب العالمية (الثانية!!) فالشمال يسيطر عليه الاكراد ومنطقة الوسط يسيطر عليها داعش.. وبالطبع فإن الامر نفسه ينطبق على العراق.. ومن المستبعد ان تكون هناك امكانية للعودة الى الوضع السابق» .
وانفرد باجوليه باعرابه عن ثقته بان المنطقة ستستقر مجدداً في المستقبل.. ولكن وفق اية خطوط..؟.. في الوقت الراهن لست اعلم ولكن في مطلق الاحوال ستكون مختلفة عن تلك التي رسمت بعد الحرب العالمية الثانية.. ان الشرق الاوسط المقبل سيكون بالتأكيد مختلفاً عن الشرق الاوسط ما بعد الحرب الثانية. بينما قال مدير الـ»سي.آي.ايه» بدوره :» عندما انظر الى الدمار في سوريا وليبيا والعراق واليمن يصعُب عليَّ ان اتخيل وجود حكومات مركزية في هذه الدول.. قادرة على ممارسة سيطرة او سلطة على الحدود التي رُسمت بعد الحرب العالمية الثانية.. ان الحل العسكري مستحيل في أي من هذه الدول ولذلك فإنني اعتبر انه من الخطأ الذهاب مباشرة باتجاه البحث عن تسوية نهائية في الوقت الراهن.
والمعروف ان وزيرة الخارجية الاميركية مادلين اولبرايت كانت قد قالت مثل الكلام عن العراق تحديداً في مذكرة كانت وجهتها في عام 2008 الى الرئيس الذي لم يكن قد انتخب بعد وهو هذا الرئيس أي باراك اوباما مما يعني، عندما نراجع ما جرى في هذه المنطقة «التعيسة» ليس منذ هبوب رياح وعواصف الربيع العربي في عام 2011 بل قبل ذلك بخمسة عقود، أن هناك ليس نية مسبقة بل تصميماً على اعادة النظر باتفاقيات «سايكس بيكو» واعادة النظر ايضاً بالحدود التي تم رسمها بعد الحرب العالمية الثانية .
ولعل ما اصبح واضحاً ان العديد من دول هذه المنطقة، سوريا والعراق وليبيا.. وربما اليمن إن لم تُحسم الامور قريباً وبسرعة، سوف يكون انقسامها، الذي بدأ عملياً منذ عدة اعوام وقبل الربيع العربي، على اساسٍ مذهبي وطائفي..وأيضاً عِرقي وهذا ما كان تحدث عنه مؤسسو هذه الدولة الاسرائيلية الذين اتفقوا على ان الأمن الاستراتيجي لدولتهم يقتضي تمزيق هذه المنطقة وتحويل دولها الى دويلات طائفية وعرقية يكون لاسرائيل فيها مكانة بريطانيا العظمى في الكومونولث البريطاني الشهير.
وهكذا فاننا عندما نراجع احداث نحو نصف قرن من السنوات فإننا نجد ان الكثير مما جرى كان البداية لما نشاهده الآن في بعض «الاقطار الشقيقة» وأن الشعارات البراقة والصاخبة كانت من قبيل التستر على الذين حكموا باسمها وبالحديد والنار كل هذه السنوات الطويلة وأن احتلال العراق للكويت كان مؤامرة عليه لتدميره وايصاله الى هذا التمزق الطائفي الذي هو عليه الآن وأن استدراج سوريا للهيمنة على لبنان وللتحرش ببعض الدول المجاورة كان من اجل ايصالها الى ما هي عليه الآن وهذا ينطبق على ليبيا التي ابتليت بحكم القذافي الذي استمر بكل تشوهاته لاكثر من اربعين عاماً.
ويقيناً وفي النهاية انه لا بد من القول وبكل ثقة وقناعة ان معظم الانقلابات العسكرية التي كرسَّت هذه الأنظمة الاستبدادية ولسنوات طويلة ليست بعيدة عن الشبهات وإن ما فعله بول بريمر في العراق وتمكين ايران من السيطرة عليه وحل دولته وتشتيت جيشه كان من اجل كل هذه الاستخلاصات الآنفة الذكر التي توصل اليها كل من مدير الاستخبارات الفرنسية ومدير وكالة الاستخبارات المركزية الاميركية.. وقبلهما «السيدة» مادلين اولبرايت .

شاهد أيضاً

تشغيل أول محطة للطاقة الشمسية للمركز الدولي لضوء السنكروترون

بدأ المركز الدولي لضوء السنكروترون للعلوم التجريبة وتطبيقاتها في الشرق الأوسط (سيسامي) تشغيل أول محطة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *