إلى معالي وزير التربية والتعليم …

غربة jo –

أكتب الى معاليك هذه الكلمات المضرجة برائحة الغربة، هذه الغربة التي نظن في كل سنة انها ستنتهي، نحن الذين نعيش بين حقيبة وأخرى، حقائبنا محشوة دوما بصور من احبابنا، برائحة الشوارع التي حفظت خطانا لا نغلق حقيبة الا لنفتحها في مدينة أخرى ولا نورث أبنائنا الا الحنين الى الوطن ونخشى ان نرى على وجههم ذلك السؤال الذي نغصّ في اجابته: ولماذا لا تعودون إذا كنتم تتنفسون الوطن الى كل هذا الحد؟

نحن الذين نرضعهم حليب الاشتياق لوطن لا يروه الا لمدة ثلاثة أشهر ولكنهم يحسّون بحنينهم اليه في كل لحظة ولا ينتمون الى المكان الذي يقضون فيه أعمارهم فقد أطلقنا عليه وطن الغربة والحقائب.

فالغربة ليست فقط تذكرة طائرة وحقيبة وبيت جديد بل هي أعمق من ذلك فالغربة الحقيقية هي التي تنبت داخل أنفسهم حين يمكثون كل يوم في مكان ليس لهم وفي داخلهم يعيش وطن آخر.

ويبقون طيلة حياتهم وهم بانتظار ذلك اليوم الذي ستستقر به حقائبهم ويفطمون من الحنين حين يعودون الى وطنهم الام ويفاجئون انه ينبذهم بلا قصد منه، هم الذين عادوا اليه بشهادة الثانوية العامة، مشحونين بالأمل ومنتظرين ان تفتح لهم الجامعات ذراعيها.

ويباغتون بصدور قرار وزارة التربية بعدم معادلة شهادات الدول التي ليس فيها اختبار وطني ….

ومن سيتحمل هذا الذنب؟ الآباء الذي وقفوا عاجزين امام مجموعة القرارات الغير مفهومة وامام مستقبل أبنائهم المبهم ، هؤلاء الآباء الذين تركوا وطنهم كي يحسنوا من أوضاعهم , كي يؤمنوا لأبنائهم مستقبلا افضل, كيف نوفر لأبنائنا افضل تعليم يضمن لهم مستقبلهم, كي نرفد وطننا الذي نعشقه بالعملة الصعبة التي تساعده على النهوض اقتصاديا, كي  نخفف من عبء البطالة………….. ، هؤلاء الآباء الذين سيدفعون بسبب هذا القرار المفاجئ ثمن الغربة مرتين الأولى حين تركوا وطنهم مجبرين ، والثانية حين خسروا ما بنوه طيلة هذه الأعوام على امل ان يعودوا بأبنائهم كي يدرسوا في الجامعات ويضعوا حدا لغربتهم .

وهذا لسان حال معظم الآباء الذين قد تجمعوا لهدف واحد وهو مصلحة أبنائهم.

وأود ان ألفت نظر معاليك الى اننا لا نعترض على التوجه بعدم معادلة شهادات الثانوية العامة في السعودية كقرار إذا كان معاليك يراه مناسبا، بل الوقت الذي أصدر فيه، فهذا التوجه جاء بعد بداية العام الدراسي ولم يعد بأيدينا القدرة على اتخاذ أي قرار بمصير أبنائنا. ولا زلنا حتى يومنا هذا لا نعرف ما سيحل بأبنائنا لعدم وجود رؤية واضحة من وزارتي التربية والتعليم والتعليم العالي. ففي كل يوم نفاجئ بفكرة جديدة فمرة بعدم معادلة الشهادات لعدم وجود اختبار وطني ومرة باشتراط الحصول على اختباري القدرات والتحصيلي ومرة بوجوب خضوع أبنائنا لاختبارين يتم اعدادهما بالأردن والى غير ذلك. وحتى هذه اللحظة لا يوجد توجه واضح ولم يتبقى على نهاية العام سوى شهر واحد. فكيف بالله عليكم وباي عرف وباي قانون ستطبق قرارات لا زالت مجهولة الى هذه اللحظة على طلاب لم يتبقى على تخرجهم سوى شهر واحد؟

اما بالنسبة لاشتراط اختباري القدرات والتحصيلي اللذان يعدهما مركز قياس في المملكة العربية السعودية فأود توضيح بعض النقاط المهمة:

أولا: يقوم الطلاب بالاستعداد لهذين الاختبارين خلال السنوات الثلاثة الأخيرة في المرحلة الثانوية. كما تتاح لهم الفرصة بإعادة اختبار القدرات خمس مرات والاختبار التحصيلي مرتين وهذا لم يتحقق لأبنائنا الذين سيتخرجون هذا العام فكيف بالله عليكم سيتم تطبيق هذا الشرط عليهم؟

ثانيا: الاختبار التحصيلي يقيس معلومات الطلاب في مواد الفيزياء والكيمياء والاحياء والرياضيات واللغة الإنجليزية للسنوات الثلاث الأخيرة في المدرسة. فهو اشبه بامتحان شامل ويعتبر أصعب من اختبار الثانوية العامة في الأردن بمرات عديدة ولذلك لا يجوز اشتراط هذا الاختبار على الطلاب الذين سيعودون للدراسة في الأردن ومعاملتهم كطلاب الأردن الذين اختبروا في مادة السنة الأخيرة من المرحلة الثانوية.

ثالثا: ان الاختبارين مبنيان على أساس المناهج الحكومية ومعظم أبنائنا لا يدرسون في المدارس الحكومية لان ذلك يحتاج الى استثناءات لا يحصل عليها الا من له اشخاص متنفذين يساعدونه على تحصيل قبول في المدارس الحكومية. ولذلك ومن اجل الحصول على تعليم أفضل لأبنائنا قمنا باختيار مدارس خاصة ومدارس دولية متميزة تدرس مناهج عالمية حتى نجهز أبنائنا للتعليم الجامعي في الأردن. انا معلم في مدارس خاصة ومطلع بشكل كبير على هذا الموضوع فمن الظلم اخضاع أبنائنا لاختبارات لم يتم تجهيزهم لها.

رابعا: ان معدل النتائج في الاختبار التحصيلي لا يتجاوز 60% وهذا لا يؤثر على قبول الطلاب في الجامعات السعودية اذ ان معدلات القبول منطقية وليست فلكية كما هو الحال في الأردن. فاذا تم احتساب نسبة للاختبار التحصيلي ونسبة لاختبار القدرات في المعدل العام للطالب المغترب فانه لن يتمكن من المنافسة مع الطلاب الذين سيتخرجون من دول أخرى بمعدلات فلكية على نسبة ضئيلة من المقاعد المتاحة للطلاب المغتربين وهي 5% من المقاعد الجامعية.

اما من حيث عدم ثقتكم بقدرات الطالب المغترب واحساسكم بانه يحصل على معدلات فلكية دون جهد يذكر فأود ان أوضح لكم بانه من الممكن ان تكون هنالك حالات فردية ينطبق عليها هذا الكلام ولكن اوكد لكم من واقع خبرة عملية في المدارس الخاصة والعالمية حيث يدرس أبنائنا بان المناهج قوية جدا والحصول على درجات عالية ليس بالأمر السهل. كما انني اجزم ان المواد التي يدرسها الطالب في السنة الأخيرة من المدرسة تعادل ما يدرسه الطلاب في السنة الأولى في الجامعات الأردنية وأستطيع ان اثبت ذلك ان اتيحت لي الفرصة لمناقشة الموضوع.

ومن الناحية القانونية اود ان اشير الى انه لا يجوز تطبيق قانون لم يصدر بعد على طلاب سيتخرجون بعد شهر من الان ولقد استشرت خبراء في القانون وأكدوا لي هذا الكلام

في النهاية ارجو من معاليك ان تتخيل ان ابنك هو المتضرر بسبب هذا القرار، فلن تقف حياله مكتوف الأيدي وانت ترى ابنك الذي يكبر امامك لحظة بلحظة يذبل امامك وقد سدّت بوجهه أبواب الجامعات.

وإذا كان لا بدّ من تطبيق القرار ارجو من معاليك ان يجرى العمل به من السنة القادمة للأسباب التي ذكرت أعلاه. وعند تطبيقه في العام القادم ارجو ان تأخذ النقاط المذكورة أعلاه بالحسبان حتى لا يتعرض أبنائنا في الأعوام القادمة للظلم ونحن المغتربين على استعداد للمشاركة في صنع هذا القرار بما يضمن التأكد من سلامة المعدلات من جهة وعدم ظلم أبنائنا الطلاب من جهة أخرى.

يكفينا ما عشناه من قلق وتوتر خلال هذا العام ونحن ننتظر ما سيحل بمصير أبنائنا دون ان يظهر أي مسؤول يوكد لنا ان مستقبل أبنائنا مهم بالنسبة لهم كما هو مهم لنا وانهم حريصون على مستقبلهم كحرصنا عليه. ان طعم الغربة مر ولكنه كان اشد مرارة وقسوة هذا العام.

وعين الرحمة دوما أرّق من عين العدل.

بقلم: أمجد علي رفاعي سعيفان

amjad_saifan@yahoo.com
مشرف اكاديمي ومدير تطوير في مدارس عالمية- السعودية

شاهد أيضاً

الاستثمار، الرهان الخاسر!

جميعنا اصبح يعي و يدرك أن تحقيق نسب نمو وخلق فرص عمل وتحريك الدورة الاقتصادية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *