واقع المناخ الديمقراطي الأردني

غربة jo –

إن الحديث  عن الديمقراطية في النظام الاردني يسوقنا للحديث عن أساس هذه الديقراطية  الا  هو واقع حال العلاقة بين السلطات في الدولة وماآلت إليه تلك العلاقة من شد ورخي في الآونة الأخيرة  وتدفع أيضا للبحث  تخوم هذه السلطات  وعلاقتها ببعضها البعض والتي تعتمد وبشكل أساسي على مبدأ الفصل بين السلطات الذي يعتمد على توزيع السلطات في الدولة وعدم تركيزها في يد سلطة واحدة ،لأن تركيز السلطة بيد هيئة واحدة قد يؤدي على الأغلب إلى الاستبداد والتعسف، وبالتالي إلى إهدار التوازن الديمقراطي بين السلطتين التنفيذية والتشريعية أو إلى إهدار حقوق وحريات الأفراد، لذلك أن الأساس السليم لمبدأ فصل السلطات هو توزيع وظائف الدولة المتعددة على سلطات متعددة تستقل كل منها بوظيفتها عن الأخرى .

ومن المعلوم به أن مبدأ الفصل بين السلطات يرتبط ارتبطاً وثيقاً بالديمقراطية، حيث يحتل هذا المبدأ أهمية فائقة ومصانة من خلاله تأكيده على ترسيخ الممارسة الحقيقية للديمقراطية داخل الدولة، وقد بين الفقه الدستوري مفهوم الديقراطية عندما نعتها بأنها حكم الأغلبية مع احترام حقوق الأقلية وبأنها الغاية والطريق الأمثل لصون الحقوق والحريات العامة ،كما وأن هذا المفهوم ذكر في كتابات كل من لوك ومونتسكو الذين إعتبروا أن الديمقراطية بمفهومها سالف الذكر تقاس وترتبط بمدى التزام كل سلطة من سلطات الدولة باختصاصاتها المحددة لها .

وهذا الأمر دفعني أن أقدم للقاريء وللمشرع الكريم تحليل لحقيقة العلاقة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية في النظام الأردني بحيث فكرت ملياً ووجدت بأن مسألة الاختلال الوظيفي بالصلاحيات بين السلطات مارستها الحكومات على مدار السنين ، الأمر الذي أدى إلى رجحان كفة السلطة التنفيذية على حساب السلطة التشريعية ،وبإعتقادي أن هذا الأمر لم يكن ناتجاً عن رغبة السلطة التنفيذية بالإستحواذ على الأنشطة في الدولة والصلاحيات في النظام ، أو أن تكون هي السلطة العليا ، وإنما كان سببه الظرف العام ، حيث تعقدت أساليب الحياة واتسمت بطابع فني وتكنولوجي متطور وزادت من وظائف الدولة في كافة المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية وظهرت العديد من القضايا والملفات التي لم تكن في السابق ، الأمر الذي برر ضرورة وجود العديد من التشريعات المتطورة والسريعة من أجل مواجهة متطلبات الزيادة في مختلف وظائف الدولة وحيث أن البرلمانات في الفترة الأخيرة لم تكن بمستوى الطموح وهذا ما اثبته الواقع ودليل ذلك حلها من قبل السلطة التنفيذية والتي وجدت بنفسها الديل عن السلطة التشريعية ,اصدرت العديد من القوانين المؤقتة في موضوعات مازلنا نعاني منها إلى هذا الوقت .

ونظريا نجد أن النظام البرلماني الأردني هو أحد أنواع الأنظمة البرلمانية التي أستقت من النظام البرلماني المهد وهو النظام البريطاني ،حيث أخذ النظام الأردني بعضا من قواعده خاصة تلك التي تتعلق بالعلاقة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية ،والتي تقوم على أساس أن كل من السلطتين تمتلكان من الوسائل الدستورية ماتمكن به بها عدم هيمنة السلطة الأخرى، ولعل من أبرز هذه الوسائل هو حق المسؤولية السياسية الموجه للوزارة من قبل البرلمان، وكذلك حل البرلمان الموجه من قبل السلطة التنفيذية.

إلا أن التباين أضحى واضحاً بين ما هو منصوص عليه من الناحية النظرية وبين ما هو مطبق من الناحية العملية بشأن هذه الوسائل ، حيث تبين عدم فعالية تلك الوسائل في ضبط العلاقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية ،فمن خلال إستقراء مسيرة الحكومات الأردنية نجد أن معظم الحكومات الأردنية لم تتعرض لخطر المسؤولية السياسية الموجهة من قبل البرلمان إلا ما ندر، حيث حازت معظم هذه الحكومات على ثقة البرلمان، بإستثناء حالة واحدة سجلها التاريخي السياسي الأردني لم تحصل فيها الوزارة المشكلة على ثقة البرلمان وهي حكومة السيد سمير الرفاعي، وبرأيي أن سبب ذلك ليس الانسجام التام في العلاقة بين السلطتين التنفيذية التشريعية في النظام الأردني، بل هو الاختلال في هذه العلاقة حيث هيمنت السلطة التنفيذية على السلطة التشريعية ،وبرأي ورأي العديد أن السبب في ذلك يعود إلى عدم وجود أحزاب ذات برامج سياسية ، بحيث يكون لهذه الأحزاب دور في تفعيل الرقابة البرلمانية على أعمال السلطة التنفيذية.

ولعل النظام الانتخابي كان من أهم الأسباب التي أضعفت وجود العمل الحزبي داخل البرلمان الأردني،إضافة إلى عدم وجود ثقافة مجتمعية تبين ماهية الأحزاب ودورها الحقيقي في بناء الدولة الدولة وإصلاحها ، وقد أكدت التوجيهات الملكية هذا الأمر في اكثر من موضع بين جلالة الملك من خلال ماقدمة من اوراق نقاشية أهمية دور الأحزاب في الدولة والتي يجب أن تكون نواتها الكتل البرلمانية ، و في التطبيق نجد أن هذه الأخيرة قد إنشغلت للأسف في المناكفات السياسية بجو يسوده الشحناء والتوتر السياسي ،ومازالت النخب السسياسية والقانونية تنتظر من هذه الكتل الإسراع بدفع عجلة الحياة الحزبية داخل البرلمان وأن تعمل هذه الكتل على شكل أحزاب تقدم برامج ، لنخرج من حالة الضعف التي تعتري العمل البرلماني والتي أظهرت على السطح برلمانات هشة وضعيفة يقابلها حكومات معظمها تكنوقراط سيطرت على مجرى العملية التشريعية في الدولة .

وعلى صعيد آخر أثبت الواقع العملي الزيادة المضطردة لنسبة المقترحات التشريعية المقدمة من السلطة التنفيذية إذا ما قورنت بالمقترحات التشريعية المقدمة من السلطة التشريعية ، الأمر الذي أثر على علاقة هاتين السلطتين ،ولعل ذلك مرده إلى أن السلطة التنفيذية تمتلك من المقومات ومن الأجهزة الإدارية والفنية ما تمكنها من صياغة مشاريع القوانين بشكل أسرع، والأمر الثاني إن إن وجود مجلس الأعيان ضمن المنظومة التشريعية كان له تأثير غير مباشر على العملية التشريعية سيما وأن العديد من أعضائه هم أصلا من رجال السلطة التنفيذية، وقد يتبنون وجهة النظر الحكومية داخل المجلس ومن المحتمل أن يكونوا ذراع السلطة التنفيذية التشريعي داخل البرلمان إلا أنه ومن باب الانصاف لايمكن لنا إنكار الدور الذي يقوم به مجلس الأعيان في رد العديد من مشاريع القوانين غير المرغوب بها شعبياً وإصراره على ردها أحياننا ، ,وأرى أننا بحاجة إلى تطوير الأجهزة الفنية والإدارية لدى السلطة التشريعية من أجل النهوض بالعمل التشريعي بشكل أفضل وإرجاع هذا الإختصاص للسلطة الأصل .

ومحصلة القول إن الحديث عن تحقيق مناخ ديمقراطي ودستوري سليم يعيد الإعتبار إلى السلطة التشريعية ويمكنها من أخذ دورها كمؤسسة دستورية ذات كيان، بحيث تعتبر المؤسسة الدستورية الوحيدة التي تمثل الصالح العام للشعب،يحتاج منا نحن كأفراد تكثيف الجهود نحو نشر ثقافة الأحزاب السياسية ودورها في بناء الدولة ،وفي المقابل يقع على عاتق السلطة التشريعية دور كبير في تعزيز هذا الدور من خلال السعي نحو تكريس عمل اللجان وجعلها نواة لأحزاب سياسية تقدم برامج إصلاحية وصولاً لحكومات برلمانية تتحقق من منظومة التوازن والتعاون بين السلطات في الدولة

بقلم المحامي الدكتور مهند صالح الطراونة

Tarawneh.mohannad@yahoo.com

شاهد أيضاً

الاستثمار، الرهان الخاسر!

جميعنا اصبح يعي و يدرك أن تحقيق نسب نمو وخلق فرص عمل وتحريك الدورة الاقتصادية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *