إعادة تدوير النفايات في كندا (ملف)

غربة jo –

اعداد : د محمد الشريف

تٌشكل مسألة حماية البيئة جزءاً من المسؤولية الاجتماعية التي تسمح بالعيش في مجتمع صحي وخال من الأمراض، ومن أهم الطرق في حماية البيئة هو التحكم بالنفايات التي ينتجها الانسان وإعادة تدويرها واستخدامها، وحيث أن إعادة تدوير النفايات موجود منذ القدم في الطبيعة وبدون التدخل البشري، ففضلات وبقايا بعض الكائنات الحية تعتبر غذاءً لكائنات حية أخرى، وقد مارس الإنسان عملية استرجاع النفايات منذ العصر البرونزي، حيث كان يذيب مواد معدنية لتحويلها إلى أدوات جديدة لإعادة إستخدامها.  والمقصود بإعادة التدوير هو إعادة استخدام المخلفات؛ لإنتاج منتجات أخرى أقل جودة من المنتج الأصلي. منذ أن فطنت المجتمعات إلى المشكلات البيئية، فإن العديد من البلدان اتخذت إجراءات لإعادة تدوير النفايات، والتي من أهم فوائدها حماية الموارد الطبيعية، وتقليص النفايات وبالتالي التلوث البيئي، والتقليل من النفايات المطلوب التخلص منها بالدفن أو الحرق، و كذلك ايجاد فرص عمل. علما ان تراكم النفايات دون التخلص منها بشكل صحيح و علمي قد  يؤدي الى تلوث بيئي و اصدار الغازات السامة و تكون بئر مناسبة لنمو البكتيريا و الفيروسات المرضية و الفطريات السامة،  و كذلك قد تؤدي الى تسرب بعض المواد السامة عبر التربة لتختلط بالمياه الجوفية أو تبقى مخبئة لسنين تحت التربة.

كندا تعتبر من الدول الرائدة في مجال حماية البيئة و تدوير النفايات منذ بداياته في عام  1981م ، حيث يتم إعادة تدوير الزجاج و االورق والكرتون و النسيج و إطارات السيارات والألمنيوم والفولاذ و البلاستيك ومياه الصرف الصحي و حتى فضلات الأطعمة الغذائية. ظهر مليا اهتمام كندا بتطوير وزيادة عملية تحويل النفايات، حيث ارتفعت النسبة من %8 إلى %42 ما بين عامي 1988 و2002.

ddd

صورة 1- النسبة بين اعادة التدوير في كندا من سنة 1994 الى  2006

 

تنظم وزارة البيئة في كندا عملية مراقبة إدارة النفايات المنزلية وخدمات إعادة التدوير ولكن يتم تنفيذ ذلك من قبل المجالس البلدية المحلية. إذ تقوم هذه المجالس بتطوير برامجها الخاصة والتي تتضمن إعادة تدوير المواد البلاستيكية والنفايات الزجاجية والنفايات الورقية، كذلك حاويات النفايات العضوية ومحطات تجميع النفايات من قبل المواطنين وتبيع الملصقات التي تتضمن دفع أجرة نقل النفايات الخاصة أو أية برامج أخرى بشرط أن تتوافق مع قانون حماية البيئة الصادر عن وزارة البيئة.

يتم التعامل بصورة مختلفة مع النفايات الناتجة من المنشأت الصناعية والتجارية والمؤسسية، حيث تختلف أنواع النفايات وتأثيرها على البيئة من منشأة إلى أخرى، فبعضها سام وملوث للبيئة والمياه. وللأسف إن مراقبة هذا القطاع ليست بالسهولة ذاتها التي يتم التعامل بها مع النفايات المنزلية. هذه المنشآت مسؤولة بصورة فردية للامتثال للقواعد المتعلقة بالنفايات حسب حجم الشركة وكمية ونوعية النفايات.

مثال على ذلك يمكن أن يصبح البلاستيك في المستقبل مصدرا ثمينا للطاقة، فقد قامت كندا  باستخدام  آلة تحول النفايات البلاستيكية مباشرة الى النفط الخام لاختبارها لمدة عام .الآلة تستطيع معالجة حوالى عشرة كيلوغرامات من البلاستيك وتنتج نحو عشرة لترات من النفط كل ساعة، ويمكن تشغيلها بصورة مستمرة على مدار الساعة. وتتم تغذية البلاستيك الذي يتم قطعه إلى حبيبات خشنة في الحوض الصغير. ثم ينقل بواسطة أنابيب وغرف مختلفة. من خلال هذه العملية، يتم تسخين البلاستيك ليتحول إلى سائل ومن ثم إلى غاز، ثم يبرد.

ربع الستة ملايين طن من الورق والكرتون المستخدم في كندا هو ورق معاد تدويره ، حيث أن اعادة تدويره تقلل من حجم النفايات الملقاة في المكبات اضافة الى المحافظة على ديمومة الغابات التي هي المصدر الخام له. ومن هذا المنطلق خطت كندا خطوات ثابته بأتجاه أعادة التدوير بالتحفيز عليه وسن العديد من القوانين الهامة و التي تشجع المستثمرين على فتح مثل هذه المشاريع،  وتشجع أفراد المجتمع لتعلم طرق فصل القمامة من مخلفات اطعمة في صندوق خاص واخرى للورق والبلاستيك في صندوق آخر و اخيرا باقي النفايات في صندوق ثالث،  ولكل واحد من هذه الصناديق لونه الخاص الذي يميزه. عندما ظهرت فكرة إعادة التدوير كانت تطوعية، ولم تكن تستهوي الكثيرين ولكنها سرعان ما انتشرت وأصبحت إلزامية. لم تكن هذه القوانين مشجعة فقط  بل وصارمة من حيث الغرامة في حال الخلط بين تلك الصناديق ، ففي أول مرة قد تحصل على تنبيه و قد  يتحول في المرة الثانية إلى مخالفة قد تصل الى 500 دولار. لم تأتي هذه الثقافة بين ليلة و ضحاها بل استغرقت وقتا في تشجيع هذه الثقافة وترسخيها بين افراد المجتمع، و طبعا كان التركيز على التعليم والمدارس ، حتى ترى الطفل في سنته السابعة أو الثامنه يصنف لك النفايات حسب ترتيبها و يملي عليك انواع البلاستيك واستخداماته وأهمية اعادة تدويره. كما بعض الشركات بدأت تفتخر أن منتجها من النفايات المعاد تدويرها 100% ويمكن إعادة تدويرها مرّة أخرى. يُشجع هذا الاعلان المستهلكين على شراء هذه المنتجات بسبب الوعي العالي تجاه المخاطر التي تسببها المنتجات البلاستيكية المستعملة لمرّة واحدة فقط تجاه البيئة، ولدعم مثل هذه الشركات.

تقوم كندا بإعادة تدوير إطارات السيارات، عن طريق وضعها في الملاعب للمساعدة في تجنيب الأطفال التعرض لأي إصابات، كما يتم خلطها مع الإسفلت لبناء طرق جديدة. كما ان  كندا بدأت بمشروع اعادة  تدوير الهواتف النقالة كمشروع قومي فيدرالي للمساعدة في الحفاظ  على البيئة واعادة التدوير للمعادن الثمينة.

fr

صورة 2- بعض الارقام التي تبين نجاح  مشروع اعادة  تدوير الهواتف النقالة

إنتاج الفرد في مدن الدول العربية سنوياً من القمامة لا يقل عن مثيله في كثير من الدول مثل استراليا وكندا؛ في المتوسط؛ فإنتاج القمامة في دولنا العربية في ازدياد مطرد، والسبب ليس فقط ازدياد عدد السكان ، ولكن لتغيير العادات الغذائية، فبدل من شراء أشياء طازجة، يشتري الناس المعلبات من كل صنف ولون، ويساعد على تفشي العادات الاستهلاكية وجود صناعات غذائية وصلت إلى مستوى أن عّلبت الكثير من الأطعمة.

de

صورة 3- طريقة فصل النفايات في المنزل

er

صورة 4- طريقة فصل النفايات في المكتب (العمل)

rf

صورة 5- طريقة فصل النفايات في الجامعات الكندية

قدرت دراسة اقتصادية صادرة عن جامعة الدول العربية في القاهرة حجم خسائر الدول العربية الناجم عن تجاهلها إعادة تدوير المخلفات بنحو 5 مليارات دولار سنوياً. موضحة أن كمية المخلفات في الوطن العربي تبلغ نحو 89.6 مليون طن سنوياً وتكفي لاستخراج نحو 14.3 مليون طن ورق قيمتها ملياران و145 مليون دولار وانتاج 1.8 مليون طن حديد خردة بقيمة 135 مليون دولار بالإضافة لحوالي 75 ألف طن بلاستيك قيمتها 1.4 مليار دولار. فضلاً عن 202 مليون طن قماش بقيمة 110 ملايين دولار وكذا إنتاج كميات ضخمة من الأسمدة العضوية والمنتجات الأخرى بقيمة تتجاوز مليارا و225 مليون دولار.

عندما تصل عملية إعادة التدوير إلى مرحلة إنتاج المواد الأولية التي تدخل مباشرة في عملية الإنتاج، نكون قد حققنا أعلى فائدة مادية وبيئية من هذه النفايات بالمقارنة مع ما يمكن الحصول عليه عند بيعها في مراحل وسطية من إعادة التدوير، وهنا يأتي أيضاً دور وزارة البيئة للمساعدة بإنشاء مشاريع إعادة تدوير خاصة وبمساعدة خبراء من أطراف محايدة.

يحتاج مبدأ إعادة التدوير إلى أن يتم تقبله من قبل أفراد المجتمع حتى يستمر ويتطوّر أكثر، ولكن إعادة التدوير شيء وإستخدام منتجات مصنعة من مواد معاد تدويرها شيء آخر.  أن الأخذ بالنموذج الكندي في نشر ثقافة اعادة التدوير وسن تشريعات خاصة بحماية البيئة والقيام على تطبيقها انما هو التزام صريح بسنة الله في الارض، من بناء واعادة إعمار وعدم الهدر في الموارد البيئية، فصدق رسول الرحمة صلى الله عليه و سلم عندما زرع فينا هذا المبدأ وقال (لا تسرف في الماء ولو كنت على نهر جار).

شاهد أيضاً

الاستثمار، الرهان الخاسر!

جميعنا اصبح يعي و يدرك أن تحقيق نسب نمو وخلق فرص عمل وتحريك الدورة الاقتصادية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *