“بائعو الكعك”.. مذكرات الأديب الأردني في بلغاريا خيري حمدان “الحلقة السابعة”

غربة jo –

شارك الاديب الأردني المقيم في بلغاريا خيري حمدان “غربةjo” فصولاً من مذكراته الشخصية ، وينشر “غربةjo” مذكرات الأديب الكبير على حلقات … والحلقة السابعة بعنوان “بائعو الكعك”..

إنّه الصيف بكلّ تجلّياته وحضوره الوادع الحارّ، لا يسمح بالنوم العميق والحياة تتدفق في أوصال الشارع، لا تتوقّف ليل نهار. تهدأ قليللا مع ساعات الصباح الباكر وقبل أذان الفجر وبعده بقليل.

لكنّ لعطلة الصيف المدرسية وقعٌ آخر قد يتّسم بطابع تجاريّ بريء. بضعة أولاد يعدّون على أصابع اليد الواحدة اقتسموا حارات وزقاق الأحياء الشعبيّة وتعاقدوا على ما يبدو مع الأفران لتسويق الكعك الصباحيّ بالسمسم والزعتر، مقابل بعض المال يحصلون عليه من خلال الطوفان والصراخ والمناداة لبيع ما يمكن بيعه للأهالي والزوار وما أكثرهم في مثل هذه الأوقات من السنة.

لست من أنصار المكيّفات وأحبّ النوم على السطح متدثرًا بغطاء خفيف تحت أنظار النجوم اللامعة في كبد السماء. غالبًا ما أتمكّن من ذلك قرابة الواحدة صباحًا، باستثناء الأعراس التي لا ندري كيف نتمكّن في أوجها من إغلاق أعيننا في غفلة من الزمن.

“كعــــك، يالا يا كعـــك” يمطّون الكلمة بطريقة تبعث على الجنون ويكرّرونها كأنّهم يرغبون ببيعها للأموات أيضًا. حذرتهم مرّة وأخرى من مغبّة المرور أو الاقتراب من شارعنا وزقاقنا وأحلامنا. لكنّهم كثر وعنيدون ولا يتوانون لحظة عن التوقّف أمام بيت للاستراحة قليلا والمناداة على هذه السلعة، يفعلون ذلك حتى في لحظات بيعها.

تمكّنت من أحدهم عند الباب الخارجي وصادرت منه لدقائق وعاء الكعك، وعدني بعد أن بكى بعدم المرور أمام البيت في صباحات الأيام التالية. القضية ليست مالية على أيّة حال لكنّه الفراغ الكبير الذ يحلّ في بيوت الشبّان والفتية خلال أشهر الصيف الطويلة دون برامج قادرة على ملء نهاراتهم بمراكز تدريب وتأهيل وما شابه، وعلينا تحمّل هذا العبء بكلّ ما تحمل الكلمة من معنى.

بعد حملة الكعك تبدأ مرحلة التنكيد ومحاولة التسويق لجرار الغاز وشراء السكراب مع ذكر وتوضيح كافّة المعادن المعدنية التي يمكن أن تشترى بأبخس الأثمان، يليه جولات عربات الملوخية والبطاطا والطماطم “البندورة” والخيار والباذنجان “عجمي يا بيتنجان” وكلّ ما يخطر على بالك من مواد تموينية واستهلاكية.

الصيف يضع الحياة بين يديك وعلى بعد خطوات فقط، يتيح لك إمكانية الكسل والقيلولة الواعية دون نوم حقيقيّ، وفي ساعات المساء يحضر أصحاب الكيف لبيع “الهريسة” المحلاة والكريزه وكلّ ما يمكن طهيه بسرعة وتحميله لإغراء الأهالي للشراء وممارسة الكسل.

لكنّي لم أتمكّن من الاستسلام أمام تجّار الكعك الشياطين الصغار.

نقضوا العهد واستمرّوا بحملاتهم الصباحية المبكّرة. عندها قرّرت تنفيذ خطّة عمليّة تهدّد صلاحية بضاعتهم، ملأت وعاء ماء وانتظرت مرورهم وصراخهم العصابيّ بالقرب من زقاقنا وقذفت المياه خلفهم دون أن أتسبّب لهم أو لكعكهم بالأذى. أصيبوا بالهلع، واتفقنا إثر ذلك على عدم التعرّض لهم والتزموا هم بالابتعاد عن زقاقنا. سمح لي هذا الاتفاق من اختلاس بضع ساعاتٍ إضافية للنوم في ساعات الصباح، وقبل انطلاق جمهرة بائعي الخضار وما تيسّر في تلك الأحياء الشعبية المتمرّدة، التي تتمتّع بقوانينها الخاصّة وقيمها التي لا تخضع لإرادات فردية أو شخصية.

(رابط الحلقة السادسة)
http://www.ghorbajo.com/permalink/5915.html

شاهد أيضاً

تشغيل أول محطة للطاقة الشمسية للمركز الدولي لضوء السنكروترون

بدأ المركز الدولي لضوء السنكروترون للعلوم التجريبة وتطبيقاتها في الشرق الأوسط (سيسامي) تشغيل أول محطة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *