عن الطائفية السياسية.. أو ما يحدث في لبنان والعراق!

ليست سوى الصدفة وحدها هي التي جمعت بين تظاهرات منظمات المجتمع المدني في بيروت، وتلك غير المسبوقة التي تم تنظيمها في بغداد. يوم واحد فَصَل بين الجماهير التي تدفقت في السابع من آب الجاري على ساحة التحرير في عاصمة الرشيد والآلاف المؤلفة التي احتشدت في ساحة الشهداء ببيروت، رفضاً للفساد وفقدان الخدمات الاساسية وانهيار البُنى التحتية على نحو بدا المشهد في البلدين المنكوبين بالطائفية السياسية، وكأنهما قد باتا مُرتَهَنَيْن لظاهرتي الفساد والفوضى. ما اسهم بالتالي في دب الرعب بأوصال «النخبة الحاكمة» أو المستفيدة من كعكة الحكم لأسباب عديدة، لكن قاسمهما المشترك هو ذلك التواطؤ – الذي غدا قاعدة بعد ان ظن كثيرون انه استثناء – بين زعماء الطوائف وأمراء الحروب وبارونات المال، فاعتقدت الأغلبية في هذا «الكارتل» الشيطاني، أن الأمور محكومة بالاستمرار، وأن لا أحد يمكنه إلغاء الطائفية السياسية وإذا ما حدث ذلك – كما نص مثلاً اتفاق الطائف بين الأفرقاء اللبنانيين، هذا الاتفاق الذي وضع نهاية (مفترضة) للحرب الأهلية – فإن أغلبية عددية لتطبيقه «لن» تكون متوفرة لدعاة إلغاء هذه المحاصصة القائمة على توزيع «الكعكة» الوطنية بين الزعامات الطائفية التي تباركها في العادة… الزعامات الدينية.
هل قلنا الزعامات الدينية؟
نعم، فهي شريكة بهذا الشكل أو ذاك في فرض قواعد اللعبة الطائفية، عندما تحتضن أقطاب الطائفية وتُضْفي على طموحهم الشخصي والمناطقي والجهوي والمذهبي، الشرعية أو تحفر لهم الخنادق كي يتمترسوا فيها بحجة الدفاع عن الطائفة وحقوقها.
يحدث هذا كثيراً ودائماً في لبنان، كما هو حاصل الآن ومنذ اثني عشر عاماً في العراق، بل ووجدنا رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي يُعلن في معرض استجابته (أو الإيحاء بالاستجابة) لمطالب المتظاهرين في ساحة الحرية ببغداد، أنه سيقوم بوضع خطة شاملة للإصلاح «إلتزاماً بالتوجيهات القيّمة للمرجعية الدينية العليا، التي عبّرْت عن هموم الشعب العراقي وتطلعاته».
كان بمقدوره ان يُعلن التزاماً سياسياً وقانونياً (دع عنك الاخلاقي وواجب الوظيفة) دون ان «يتلطّى» خلف المرجعية الدينية، لأنه يشغل منصباً سياسياً وحظي بثقة مجلس النواب (بصرف النظر عن طبيعته الطائفية والمذهبية والقواعد الدستورية التي أفضت الى قسمة كتلك التي تخضع لها العملية السياسية في العراق).
الحال هذه تكاد أن تكون متطابقة مع ما يحدث في لبنان منذ سبعة عقود ونيف، بل طالما شكّل لبنان نموذجاً في هذا المجال، دأبت اسرائيل على الترويج لـِ(مثاله) الذي يجب ان يكون عليه العالم العربي او على الاقل الدول المحيطة بفلسطين المحتلة، وليس الحرب التدميرية التي تُشن على سوريا منذ اربعة اعوام ونصف، إلاّ محاولة لتطبيق هذا النموذج سواء بنسخته القديمة في لبنان، أم تلك المُستخدمة في العراق والتي وضع بصمته عليها… المُحتّل الاميركي المُستنيّر والمدافع عن الحرية وحقوق الانسان والقيم الاميركية التي طالما فصلت الدين عن الدولة، لكن في بلادنا لا بأس من سيطرة جماعات الاسلام السياسي على المشهد الوطني بتفاصيله كافة، وهو الأمر الذي يُفسر كل هذه الحماسة الاميركية (التي لم تَفْتُر بالمناسبة) لتولي جماعة الاخوان المسلمين الحكم سواء في مصر ام ليبيا ام اليمن وخصوصاً في سوريا، وهذا هو سر الضغوط التي تمارس من أجل تعديل الدستور السوري الحالي لينص على «الطائفية السياسية».
الى أين من هنا؟
في لبنان هتف اللبنانيون الذين احتشدوا في ساحة الشهداء تحت شعار (طِلَعت ريحتكم)… «الشعب يريد اسقاط النظام» وكأنهم ارادوا تذكيرنا ببدايات الربيع العربي الذي ظننا انه سيُزهر، فإذا بالاخوان المسلمين يختطفونه ويحولونه الى كابوس، وهددوا (اللبنانيون) بإعلان عصيان مدني «ايجابي» اذا لم تستجب الحكومة لمطالبهم وبخاصة في ملفات الكهرباء والصحة والنفايات.
في العراق ايضاً هددوا بالعصيان المدني ضد أَكَلَةِ الجبنة والفاسدين وتساءلوا عن مصير المليارات التي خُصّصت لمشروعات توفير الكهرباء.. ولم ينفذ منها أي مشروع.
هل هي صدفة ان الجماهير العربية باتت محكومة بعدم وجود خيارات سوى «العصيان المدني» الايجابي منه او السلبي؟
انها ثورة الجياع والمحرومين والمقموعين والمهمشين والمقهورين..
فاخشوهم… حيث ليس لديهم ما يخسرونه.

شاهد أيضاً

تشغيل أول محطة للطاقة الشمسية للمركز الدولي لضوء السنكروترون

بدأ المركز الدولي لضوء السنكروترون للعلوم التجريبة وتطبيقاتها في الشرق الأوسط (سيسامي) تشغيل أول محطة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *