"الأردن- درعا" و"العائدون"

محمد ابورمان 
بين يدي تقريران مهمان صدرا قبل فترة وجيزة، يتعلقان بسورية. لكنّهما في الوقت نفسه -لنا في الأردن- على درجة كبيرة من الأهمية.
التقرير الأول صدر عن “مجموعة الأزمات الدولية” (بحدود 38 صفحة) بعنوان “نحو مقاربة جديدة في جنوب سورية”. وربما أغلب ما احتواه ليس أمراً جديداً على الصعيد المعلوماتي والتحليلي، وتحديداً فيما يتعلّق بصعود “الجبهة الجنوبية” في جنوب سورية، بدعم أردني-أميركي، ومقارنة هذه المقاربة الناجحة في ضبط الأمور والحدود بما حدث في الشمال؛ من تضارب في الأجندات الإقليمية والدولية، أدى إلى صعود “داعش” و”النصرة” والجماعات الأخرى.
لكن الجديد في التقرير أنّه يدعو الإدارة الأميركية إلى تغيير في مقاربتها تجاه جنوب سورية، بما يؤدي إلى إجراءات أو ضمانات لمنع القصف الجوي فوق المناطق التي تسيطر عليها “الجبهة الجنوبية”، ويحول دون أي عمل انتقامي من قبل النظام السوري أو الإيرانيين ضد السكان المحليين، أولاً، وتمكين السكان من إقامة حكم مدني يقدم الخدمات الأساسية ويشجع على الحياة الاقتصادية اليومية.
هذا الإجراء سيسمح بهجرة معاكسة تماماً من الأردن إلى جنوب سورية، ويعطي رسائل مهمة ونوعية، في أكثر من اتجاه. لكن الأهم في كل ذلك أنّه يقدم “نموذجاً” مهماً لكيفية هزيمة التيارات المتشددة، بما قد ينعكس على مناطق أخرى ويعزز التوجهات المعتدلة.
أمّا التقرير الثاني فهو للباحث الأميركي تشارلز ليستر (صدر عن مركز “بروكينغز”) بعنوان “المقاتلون الأجانب العائدون: تجريمهم أم إعادة دمجهم؟”. وبالرغم من أنّ التقرير متخصص بالمقاربات الأوروبية في التعامل مع المقاتلين العائدين، إلاّ أنّه مهم جداً لنا في الأردن، لإعادة النظر والتفكير في الطريقة الحالية التي نتعامل بها مع العائدين من ساحات القتال أو المتهمين بالترويج للجماعات والمجموعات المتطرفة، بخاصة أنّه وفقاً للإحصاءات فإنّ الأردن يعدّ المصدِّر الثالث الأعلى للمقاتلين في سورية والعراق (بعد تونس والسعودية).
في المجمل، يميز ليستر بين أسلوبين متبعين في التعامل مع المقاتلين العائدين من الخارج؛ الأول هو الأسلوب الأمني العقابي البحت، والثاني هو المقاربة الليبرالية التي تقوم على فرضية إمكانية دمج العائدين اجتماعياً، ضمن شروط ومحددات معينة.
يتحدث التقرير عن تجارب نوعية في التعامل مع العائدين؛ التجربة الدنماركية، والتجربة الألمانية (أطلق عليها حياة)، والتجربة البلجيكية. ففي هذه الحالات تمّ الجمع بين المقاربة الأمنية العقابية والمقاربة الليبرالية الاندماجية، ونجحت المقاربة الثانية بفعالية.
في وقت سابق، كتبت مقالات متعددة عن هذه “المعضلة” الأردنية، ونحن نتحدث عن قرابة 200 شخص، وهناك آلاف آخرون في الأردن محسوبون على تيار متعاطف مع “داعش” و”النصرة”، منهم مئات يحاكمون بتهمة الدعم والترويج لهذه الجماعات. وطالبت في تلك المقالات بإيجاد “نقطة خروج” (Exit Point) لهؤلاء الشباب، والتفكير في برامج موازية فعّالة بديلة عن السجن الطويل والعقوبة والاعتقال والتجريم، ما يؤدي بهم إلى “التطرف المؤبد”.
لكن تقرير ليستر متوافر، وأدعو المسؤولين والسياسيين المعنيين لقراءته، لأنّه يتناول تجارب ويعرض نظريات وآراء متخصصة مهمة.
المقاربة الليبرالية تقوم على إدراك ووعي بأهمية التمييز بين “الحالات الفردية”، والتعامل معها وفق كل حالة، بما يقتضي وجود مؤسسة أو فريق متخصص، يقوم بمقابلة الأشخاص المقاتلين العائدين وتحديد الأسلوب الأفضل في التعامل معهم، ومراقبتهم بعد ذلك. لكن ما لفت انتباهي أكثر في هذه القراءات أنّ السياسيين الغربيين متفهمون لوجود دوافع متعددة ومختلفة لمن يذهبون إلى سورية والعراق، وإلى خطأ الحكم عليهم بالتجريم المطلق!

شاهد أيضاً

تشغيل أول محطة للطاقة الشمسية للمركز الدولي لضوء السنكروترون

بدأ المركز الدولي لضوء السنكروترون للعلوم التجريبة وتطبيقاتها في الشرق الأوسط (سيسامي) تشغيل أول محطة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *