أثينا تذكرنا بشموسنا المكسوفه

حين تجولنا في شوارع اثينا توقف مرافقنا فجأة أمام مبنى أحد البنوك الكبيرة، قال: توفي صاحب هذا البنك قبل نحو شهرين وكان قد تنازل عن ملكيته لصالح جمعية خيرية ، وهو الآن يعمل ويتم توزيع ارباحه على الفقراء والمحتاجين، ثم أضاف: تصوروا أن الكنيسة هنا تملك نسبة كبيرة من الممتلكات التي سجلت باسمها من قبل المتطوعين، وهي تقوم باستثمارها للانفاق على المجالات الخيرية المختلفة. كان “الحّس” الانساني في وجوه وسلوكيات الناس الذين تزدحم بهم شوارع اثينا واضحاً بما يكفي لفهم اقبالهم على “التطوع” والتبرع، ليس فقط من خلال النقود التي يضعونها في صناديق “العازفين” الذين يطربون المارّة بأصواتهم على ايقاع الموسيقى التي يعزفونها،وانما من خلال تفاصيل حياتهم الاخرى التي تكتشفها حين تتعامل معهم،او حين تحتاج لمساعدة من احدهم، او حتى حين تسمع قصصا اخرى عن رجال أعمال “وقفوا” مؤسسات تجارية كبرى للانفاق على الفقراء او خصصوا جزءاً كبيراً من ارباحهم –بالملايين طبعا- في خدمة المحتاجين. مالذي يدفع هؤلاء الى الاحساس بالرحمة على بعضهم؟ الدين –هنا- مازال محبوساً في المعابد والكنائس، ولم أره ( على الاقل كما نفهمه) يتحرك في الشارع،اذن هل هي “الاخلاق” ومعها الضمير الانساني، هل هو الاحساس المشترك بالمعاناة؟ لا أدرى بالضبط مالذي يتحرك داخل هؤلاء القوم لكنني على يقين بأن لدينا ديناً يتحرك في كل مكان: في الشارع وفي السياسة وفي ميادين الحروب، لكن للاسف تم اختطافه عن عمد، فما عاد هو هو، ولانكاد نعثر بين “المنتسبين” اليه عن قلب رحيم او يدٍ حنونة تمتد الى فقير او مسكين او عابر سبيل. في قاعة المؤتمر الذي شاركت فيه ( نظمه مركز الملك عبدالله بن عبدالعزيز للحوار) جلس نحو 40 من كبار القيادات الدينية،مسلمين ومسيحين، كانت بالطبع مفارقة ان نبحث عن “الانسان” ونحن في اثينا، فالانسان –للأسف- في عالنا العربي أصبح “عملة نادرة” لكن.. ما علينا،فهؤلاء القادة الذين يتحدثون باسم الدين يشعرون اكثر من اي وقت مضى “بالمسؤولية” عما أصاب المنطقة من كوارث، باسم الدين للأسف،وهم جادون –كما قالوا- بتحرير هذا الدين اولاً من الذين اختطفوه، وجادون ثانياً للاستثمار في الدين من اجل اعادة الانسانية لشعوبهم التي طحنتها الحروب الدينية والسياسية، لكن ماذا عن “جدية” غيرهم ممن “سجنوا” الدين في الكهوف او استثمروا فيه احقادهم وصراعاتهم او “أفتوا” باسمه لسفك دماء الآمنين. خجلت من نفسي حين رأيت في اثينا من يذكرنا بالرحمة التي جاء بها ديننا، وخجلت اكثر حين سمعت من اثينا اصوات “ألقادة” السياسين قبل الدينين وهم يتسابقون للترحين باللاجئين السوريين الذي ابتلع بعضهم البحر، فيما لم اسمع في بلداننا العربية والاسلامية من “يتطوع” لاستقبال طفل او امرأة سورية، باستثناء بلداننا “الصغيرة والفقيرة”، التي استقبلت الملايين من دون ان تنتظر شكرا من احد. اثينا لا تذكرنا فقط بأخلاقيات الدين وقيمه التي افتقدناها، وانما تذكرنا ايضا بالديمقراطية التي لم تتعرف عليها بلداننا بعد،حين تكون هي “الحل” وباب الخروج من الازمات ، وتذكرنا بأن الشعوب هي التي تستطيع ان تواجه واقعها وتصنع مستقبلها مهما كانت الظروف صعبة،وتذكرنا بأن الامن الحقيقي لا يحتاج الى دبابات بقدر ما يحتاج الى حريات. وان العقول العارية من العلم والمعرفة والاخلاق اخطر على المجتمع من الاجساد العارية من الثياب، وان الانسان سابق للأديان، ولا قيمة للدين –ايّ دين- اذا انتزعت منه الانسانية. بقي لدي انطباعات شخصية  استأذن بتسجيلها ، ففي اثينا ازددت قناعة انني كنت مصيباً حين كنت اهرب باستمرار الى مولانا المفتي العام للمملكة حينما اشعر بالخيبة مما نحن فيه، فمعه اطمئن تماماً الى سماحة الدين الذي نؤمن به، واستعيد الامل بأن غدنا سيكون افضل، كما ازددت قناعة بأصالة سفيرنا هنالك السيد فوزان العيطان،ليس فقط لأننا عرفناه بعد محنة “الاختطاف” في ليبيا،وانما لانه فعلا يمثل وجهنا الاردني الطيب النظيف ويعكس صورة بلدنا الجميلة، فيما يبقى صديق السفر محمد الخلايلة أمين الافتاء الذي سعدت برفقته نموذجاً للمفتي الامين الجريء في الحق. شكراً لاثينا التي “اشرقت” شمسها منذ 5000 عام على الانسانية، وياليت أن شمس امتنا التي “انكسفت” تعود لتشرق على الانسانية من جديد. 
الدستور 

شاهد أيضاً

تشغيل أول محطة للطاقة الشمسية للمركز الدولي لضوء السنكروترون

بدأ المركز الدولي لضوء السنكروترون للعلوم التجريبة وتطبيقاتها في الشرق الأوسط (سيسامي) تشغيل أول محطة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *