لا تعتذروا هذه الحقيقة

محمد ابو رمان 

سجال نادر في الأوساط السياسية والإعلامية العربية جرى بين الكاتب اليساري الأردني، ناهض حتّر، الذي يدعم نظام بشار الأسد، وبين صحيفة “الأخبار” اللبنانية التي تمثّل هي الأخرى المنبر الإعلامي الصحفي الأبرز عربياً في الدفاع عن النظام السوري والخطّ الإيراني في المنطقة.
شعلة السجال بدأت مع مقال للزميل حتّر بعنوان “بدء المرحلة الأولى للحل السياسي في سورية” (يوم الأربعاء، 9 أيلول (سبتمبر) 2015)، فيه عبارات قاسية جداً بحق اللاجئين السوريين، تجاوزت المدى الذي ذهب إليه الخطاب المعلن للنظام السوري وحلفائه؛ إذ قال في مقاله: “يمكننا القول إن معظم اللاجئين السوريين خارج وطنهم هم من الفئات غير القادرة على التعايش مع التعددية والنمط الحضاري الخاص في سورية. وهكذا، فإن خساراتهم لا تعد نزفا ديموغرافيا”.
اضطرت “الأخبار” للاعتذار للسوريين عن نشرها هذا المقال، بعد أن وصلت خلال ساعات آلاف رسائل الاحتجاج من السوريين. ورفعته الصحيفة عن موقعها الإلكتروني، وتبرأت مما فيه، ووصف رئيس تحريرها المقال بأنّه بمثابة تعدٍّ على مبادئ الصحيفة وقيمها.
ثم عاد ناهض حتر ليكتب مقالاً آخر يهاجم فيه الصحيفة، أكثر صراحة ووضوحاً في موقفه السابق، بعنوان “ما هي المبادئ ولمن الاعتذار؟!”. أما أخطر ما ورد في المقال فتأكيده موقفه من قضية اللاجئين، بالإصرار على أنّ أغلبهم من “جمهور المعارضة والمسلحين.. في سياق خطّة موّلتها السعودية وقطر” للجوء إلى تركيا والأردن ولبنان، لاستخدامهم كـ”ورقة ضغط” على النظام السوري!
بعيداً عن موقفي من الزميل حتّر، فأنا أقف على الطرف الآخر تماماً من منظوره لقصة اللاجئين وللصراع في سورية والموقف من نظام الأسد، إلاّ أنّني أرى أنّ آراءه هي الأكثر تعبيراً ومصداقية ودقّة في كشف حقيقة موقف النظام السوري الفاشي من مواطنيه. وهو ما يفسّر لنا بأمانة تامّة: لماذا ينشغل العالم بأسره اليوم بمسألة اللاجئين وبمعاناتهم الإنسانية المريرة وبقصصهم التي تدمي القلوب، بينما نظام الأسد لا يشعر بأيّ خجل أو حياء من أنّ الملايين الذين يتم الحديث عنهم عالمياً هم من يفترض أنّهم أبناء شعبه؛ إذ إنّهم بمنظور مسؤولي هذا النظام، وببساطة شديدة: الأعداء والخصوم وليسوا الشعب!
ألم يقل الأسد نفسه في خطابٍ له (تموز (يوليو) 2015) بأنّ “سورية لمن يدافع عنها أيا كانت جنسيته”؟ ففي تقديري هذه الجملة مؤشّر على التفكير الذي يتجه له النظام السوري وحلفاؤه في المرحلة المقبلة، بعدما فشلوا في الحل العسكري، وهي خطة “ب” أو “دولة الأقليات” التي تمتد من دمشق إلى مساحة من المناطق الغربية على الحدود اللبنانية، وصولاً إلى منافذ ساحلية.
من الواضح أنّ النظام وحلفاءه، مع الشعور بعدم جدوى الحلول السياسية والعسكرية، وبالاستنزاف الكامل والعجز عن تغيير الوقائع، قرّروا التخلي عن المناطق الشرقية والشمالية والشمالية الغربية وقسم كبير من المناطق الجنوبية، عاجلاً أم آجلاً. ويعكس تكثيف الدعم الروسي الحالي -في أحد أبرز احتمالاته- تأكيداً على دعم النظام في خطواته المقبلة لتأسيس “الدولة الجديدة”. وهو ما يتكامل مع الخطة الإيرانية القائمة على “التطهير الطائفي”، لإيجاد دولة “خالية من السُنّة” أو فيها أقل نسبة منهم.
في المحصلة ما يعكس الموقف الحقيقي للنظام السوري وأنصاره، هو ما كتبه الزميل حتّر، وليس اعتذار “الأخبار” اللبنانية؛ فما يطلقون عليه “سورية المفيدة” أو “دمشق الكبرى” لا تعترف باللاجئين بوصفهم مواطنين سوريين.
هي فاشية أو نازية أو نزعة إقصائية رهيبة، سمّوها ما شئتم، لكنها ليست فقط في سورية، بل تمتد إلى دول عربية أخرى؛ ألا تتذكرون أغنية علي الحجّار المعروفة “أنتم شعب وإحنا شعب”؟!

الغد 

شاهد أيضاً

تشغيل أول محطة للطاقة الشمسية للمركز الدولي لضوء السنكروترون

بدأ المركز الدولي لضوء السنكروترون للعلوم التجريبة وتطبيقاتها في الشرق الأوسط (سيسامي) تشغيل أول محطة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *