هذه الحرية

طارق مصاروة 

غريب كيف تتحول شهامة الرجال، ووفائهم للجار، والحفاظ على مواطن القبيلة، إلى سرقة ماء الشرب. والاعتداء على حق الآخرين في شربة ماء في لفح هذا الهجير، والدوس على كل مقدس على أرض الوطن.
نقرأ من الأغوار، عن انقطاع ماء الشرب لأشهر لأن سلطة المياه لم تكتشف إلا ثلاث اعتداءات على أنابيب الماء.. وحين وصلت إلى الحائط المسدود أوقفت الضخ من أحد السدود.. إلى أن تجد كل الماء المسروق.
ولقد كانت لي حيازة في الشونة مؤلفة من غرفتين.. وكنت أسعد الناس بهما حتى انتهينا إلى أسوأ خبرين: لا ماء لأن أحدهم يسقي الموز.. ويحمل كلاشنكوفاً، ولا كهرباء، لأن هناك من يعتدي على الخطوط ويسرق التيار، ويجعل من خيمته مكاناً مريحاً فيه مكيّف، وتلفزيون, وغسالة كهربائية، وكل هذه الحالات البائسة من السرقة تتم أمام المسؤول الذي يغمض عينيه: يا أخي.. فكنا.
وبعنا البيت في الشونة. فهذه البقعة الجميلة من الأردن صارت طاردة للناس، وبدل أن يكون لك مساحة 450 مترا من الغور تستطيع أن تذهب إلى فنادق البحر الميت.
لقد غمرنا «الربيع العربي»، بأعجب حرية شهدتها المنطقة والعالم. فالمواطن حرٌ في ان يرمي زبالته في الشارع. والنشمي حر في سرقة المياه والكهرباء. والسائق حر في اغتصاب الشارع، وبائع اللحوم المستوردة حرُّ في ترويج لحم غير قابل للاستهلاك البشري.. وقرأنا أمس أن السلطات القت القبض على طن ونصف الطن من اللحوم الفاسدة في الكرك.
.. طبعاً، نحن ممتنون إلى أن «الربيع العربي» بقي في الحال الذي نشتكي منه، لأن هذا الربيع داهم دولاً عربية كبرى فأطاح بها، وجعل من أرضها مسالخ بشرية، ودفع بالملايين من أبنائها إلى الهرب من وطنها، والبحث عن أوطان أخرى.
لقد استطاعت حكوماتنا المتعاقبة، وخاصة حكومة الرئيس النسور أن تعيد الانضباط إلى حياتنا الوطنية.. ليس كل الانضباط، ولكن بعضه، ودون تجاوز أخلاق الدولة الأردنية في السماحة والدفء.
والمطلوب الآن أن نشدّ البراغي أكثر، واقناع سارقي الماء والكهرباء أن السرقة قد تؤدي الى قطع اليد. واقناع سائق السيارة ان شوارع المدن الاردنية ليست مستباحة. واقناع منحطي الغذاء الفاسد ان ترويجه جريمة في مستوى تسميم الناس وقتلهم.
على هذه «الحرية» التي جاء بها «الربيع العربي» ان ترحل عن الأردن، وتعود المسؤولية الوطنية لتأخذ مكانها في حياتنا وسلوكياتنا.

الرأي 

شاهد أيضاً

تشغيل أول محطة للطاقة الشمسية للمركز الدولي لضوء السنكروترون

بدأ المركز الدولي لضوء السنكروترون للعلوم التجريبة وتطبيقاتها في الشرق الأوسط (سيسامي) تشغيل أول محطة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *