مهاتير أردني

محمد ابو الرمان 

وفقاً لمديرة صندوق المعونة الوطنية بسمة إسحاقات، فإنّ إجمالي عدد المستفيدين من “الصندوق” يصل إلى ربع مليون شخص، بمقدار 90 مليون دينار سنوياً.
وأشارت إسحاقات إلى أنّ عدد الأسر المستفيدة يبلغ أكثر من 90 ألفا، وأنّ هناك زيادة في هذا العام وصلت إلى 6533 أسرة، فيما ما تزال أسر كثيرة محتاجة لا تستطيع الاستفادة من المعونة لمحدودية الموازنة المتوفّرة.
من المهم أنّ أرقام “الصندوق” تكشف عن رقم مخيف لمن هم في طور “المعدمين” تقريباً. فمن يتقاضى -على الأغلب- نفقات شهرية من “المعونة الوطنية”، هم ممن لا يمتلكون دخلاً أو يمتلكون دخلاً محدوداً جداً، أي من هم أدنى -اقتصادياً- من مستوى الفقر العادي، وربما المدقع!
في المقابل، فإنّ تكاليف الحياة الباهظة خلقت فجوة كبيرة بين الطبقات الفقيرة الواسعة والطبقة الغنية، و”فكّكت” الطبقة الوسطى نفسها إلى شرائح متفاوتة؛ بين تلك التي تستطيع أن تعيش حياة مريحة، ضمن النفقات الكبرى المطلوبة في ظل تردي التعليم العام والنقل العام وارتفاع مستوى الحياة، والفئات الوسطى التي تعاني بشدة من هذه المصاريف المرتفعة، ما يجعلها دائماً مهدّدة بالانقراض أو الانزلاق إلى حزام الضغوط الاجتماعية القاسية.
ولعلّ هذه القضية الاقتصادية-الاجتماعية تبدو مغيّبة تماماً عن تفكير الحكومات، أو محلاً للإنكار وعدم الاهتمام والقراءة، بالرغم من أهميتها على الاستقرار الاجتماعي والسياسي على المدى البعيد. فالطبقة الوسطى هي صمّام الأمان، وفي الوقت نفسه هي المرشّحة لقيادة أي احتجاجات اجتماعية (كما حدث في ثورات “الربيع العربي”؛ تحديداً في مصر وتونس)، تحت وطأة الشعور بالقلق من الأوضاع الاقتصادية أو الظلم وغياب العدالة، كما الشعور بعدم وجود حاكمية رشيدة تساعدها على الوصول إلى مستوى الحياة الجيّد.
المفتاح الذهبي المفقود، أردنياً، في دعم الطبقة الوسطى وحمايتها من التفكك الراهن، بل وزيادة مساحتها، وتوفير فرص الحياة المريحة لها، يتمثّل في الخدمات الأساسية الضعيفة أردنياً، وبدرجة رئيسة التعليم العام والسكن والنقل. فإذا كان هناك تعليم عام جيّد ومحترم، يعطي الطلبة ما يحتاجون إليه في المدارس والجامعات، ويضمن المساواة في فرص التعليم بين الجميع، فإنّ ذلك سيزيل عن كاهل الطبقة الوسطى أثقالاً كبيرة، وسيتم تخصيص جزء كبير من الأموال للادخار أو الإنفاق في مجالات أخرى مفيدة للجميع. لكن الأهم من هذا وذاك أنّه سيعزز أحد أهم عوامل قوة الدولة والمجتمع.
من الضروري أن تفكّر الحكومات والمسؤولون خارج “الصندوق”، وأن يؤطّروا تصورات أعمق للسياسات العامة في الأردن من المنظور الجزئي المحدود الراهن، لأنّ السياسات الحالية تدور بنا في حلقة مفرغة، فيما الخطّ العام يستمر بالاتجاه اقتصادياً وخدماتياً نحو الأسوأ. ومثل هذا التفكير الخلّاق الإبداعي بحاجة إلى مسؤولين على غرار مهاتير محمد، الذي كان ضيفاً علينا قبل أيام؛ يدرك الأمراض المزمنة وجرثومتها، ويعطي العلاج الناجع لها، كما حدث في تجارب عدد كبير من الدول أيضا في العالم.
نحن بحاجة إلى مشروع/ برنامج وطني متكامل مثل ذلك الذي أعلنه الرئيس ليندون جونسون بعنوان “مجتمع عظيم”، ووضع على رأسه أولويات اجتماعية مهمة: الحقوق المدنية، الأطفال، كبار السن، التعليم، الصحة، مكافحة الفقر، البيئة، الفنون والتنمية الحضرية.. إلخ.
لم لا؟ لماذا لا نفكّر في المستقبل وإلى الأمام، إذا لم تكن الحكومة، فالقوى الصاعدة اجتماعيا؟ نضع تصوراً حقيقياً يعطي الأولوية للتعليم والخدمات والصحة والبطالة، ويطمح إلى “قفزة نوعية” في أفكارنا وخططنا.. هل هذا حلم مشروع أم مجرد أوهام وأمنيات؟!

الغد 

شاهد أيضاً

تشغيل أول محطة للطاقة الشمسية للمركز الدولي لضوء السنكروترون

بدأ المركز الدولي لضوء السنكروترون للعلوم التجريبة وتطبيقاتها في الشرق الأوسط (سيسامي) تشغيل أول محطة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *