حربنا المصيرية

محمد أبو رمان

فقدنا -أول من أمس- بطلين من أبطال الوطن. الأول، هو الوكيل في الأمن الجنائي خالد أحمد بني مفرج، خلال تأدية واجبه في جبل عمان، عندما اشتبه وزميله (برتبة ملازم) بأحد الأشخاص، فكان أن باغتهم برصاصات خاطفة، استشهد بعدها خالد، فيما حالة زميله متوسطة. أمّا البطل الثاني، فهو العريف الشهيد محمد عطا السلايمة، خلال مواجهة مع مطلوبين خطرين من تجار المخدرات في منطقة الراشدية في الجنوب.
هذان البطلان استشهدا وهما يخوضان معركة مصيرية للوطن، لا تقل أهميتها، إن لم تزد، عن أي حرب أو معركة أخرى مع عدو خارجي، لأنّ هذه المعركة المصيرية هي مع العدو الداخلي؛ ولا أقصد تجار المخدرات أو المطلوبين، بل الانهيار في منظومة القانون والقيم والانفلات الأمني المبطّن، الذي حدث في الأعوام السابقة، وكان يتم التستّر عليه من قبل مسؤولين، حتى كبر وتضخّم فأصبح مصدراً حقيقياً لقلق المواطنين والمجتمع!
هي “معارك” سيادة القانون. فالقانون هو عنوان الاستقرار والعدل والأمن العميق. والخروج على القانون يضعنا أمام قوانين أخرى عديدة، يضعها “الخارجون” أنفسهم، فيصبح للعصابات قانونها، ولتجار المخدرات قانونهم، ولسارقي السيارات قانونهم الخاص أيضاً!
تذكرون كيف وصلت الأمور في الأعوام السابقة، حدّاً لا يحتمل. فالمخدرات انتشرت بصورة رهيبة بين الشباب الجامعي، وأصبحت سبباً من أسباب العنف الكبير في الجامعات، وتحولنا من ممر إلى مقرّ. وسرقة السيارات أصبحت علامة مسجّلة باسم عمان ومشهداً يومياً فيها. كما كانت سرقة المياه والكهرباء بمثابة حقوق مكتسبة. أما البلطجة ودفع “الأتوات”، فكادا يصبحان أمراً شرعياً بحكم الأمر الواقع. هذا بالإضافة إلى ما حصل لامتحان الثانوية العامة “التوجيهي” والأراضي الأميرية، وغيرها من ظواهر عديدة جعلت الأمن الاجتماعي في مهب الريح!
كانت تؤشر تلك الحالة المتدهورة على أنّنا أمام هزيمة نكراء داخلية خطيرة، قبل أن تبدأ الدولة بأخذ زمام المبادرة، ويتخذ مجلس السياسات (قبل عامين تقريباً) قراراً حاسماً باستعادة الهيبة بالتدريج، وبأساليب مختلفة. وهي المهمة التي أنجز جزء جيد منها؛ فتراجعت سرقة السيارات، وتجارة المخدرات، والبؤر المتمردة على القانون، وأعيد ضبط امتحان “التوجيهي”، ومواجهة سرقة المياه، وفتح ملف الأراضي الأميرية. كما أشار رئيس الوزراء (يوم الخميس الماضي، خلال لقائه المحافظين في وزارة الداخلية)، أنّ عنوان المرحلة “لا أحد على الإطلاق فوق القانون”. وهي رسالة سياسية وإعلامية مهمة، نحتاج أن تكون واضحة دائمة، وأن تترجم عبر المستويات المختلفة في عمل مؤسسات الدولة، وفي كل المجالات.
ومن المهم أن تتزامن هذه الرسالة مع قاعدة أخرى تجاورها وتتزاوج معها في الأهمية، فلا تقل عنها أبداً، وهي “أنّ الأردنيين متساوون أمام القانون”، لبدء العد التنازلي في قصة الاستثناءات والتجاوزات في المقاعد الجامعية والتعيينات في المؤسسات المختلفة، على قاعدة الولاء أو الاسترضاء، بدلاً من الكفاءة والعدالة والنزاهة والحاكمية.
صدّقوني، الخطر الوجودي والمصيري هو الداخلي، وليس الخارجي؛ فأي دولة يمكن أن تقاوم عدواً خارجياً حتى مع اختلال موازين القوى. وما حدث في دول الجوار يعود بدرجة رئيسة إلى الظلم والفساد و”فلّة الحكم”، بالرغم من الأنظمة الاستبدادية الدموية والأمنية هناك. فأساس الأمن وأسّه وركيزته الحقيقية، هي القيم والقانون والإصلاح الحقيقي العميق، لأنّ الأنظمة السلطوية العربية وصلت إلى خيارين لا ثالث لهما: إما الإصلاح الجوهري الحقيقي، أو الفوضى والانهيار والتفكك السريع أو البطيء.
دعونا نقرّ بأننا مع مشروع قانون الانتخاب الحالي وإجراءات استعادة هيبة القانون الأخيرة، بدأنا نشعر بأننا نسير في الاتجاه الصحيح. لكننا نحتاج إلى جرأة أكبر وخطوات واضحة ورسالة لا تقبل التأويل، بأنّ مستقبلنا مرهون بهذه المعركة المصيرية.

الغد

شاهد أيضاً

تشغيل أول محطة للطاقة الشمسية للمركز الدولي لضوء السنكروترون

بدأ المركز الدولي لضوء السنكروترون للعلوم التجريبة وتطبيقاتها في الشرق الأوسط (سيسامي) تشغيل أول محطة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *