هوية ثقافية

من المعروف لدى دول العالم وشعوبه بأن ثقافته تشكل رسيخة أساسية من رسائخ تكوبن المجتمع المحلي، وبالتالي ناضلت العديد من تلك الشعوب من أجل المحافظة على هويتها الثقافية بل ودعمها لترسيخ مفاهيمها وضبطها بضوابط أخلاقية أو دينية في بعض الأحيان، إلا أن ما نشاهده على الساحة المحلية هو طمس لتلك الهوية وتغييبها عن المحافل العالمية إلا ما رحم ربي، ويعود السبب في ذلك الى تقاعس الجهات المسؤولة وتجهاهلها .لتلك الهوية بل والعبث بها بصورة سلبية جدا وقاسية
 
الهوية الثقافية الأردنية امتزجت بشكل سريع مع حضارات وثقافات مختلفة دخلت إلينا بحكم الجوار أو بحكم الظروف القاسية التي فرضت على الأمة العربية والإسلامية ككل، وشكلت الثقافة الشيشانية أو الشركسية أول نموذج لذلك الإندماج وإن كانت تلك الثقافة صعبة علينا شيئا ما وخصوصا في بدايتها كونها صدرت لنا من خارج نطاق المحيط العربي، ومع ذلك لا نستطيع إنكار وجود تلك الهوية على الساحة المحلية ودورها المهم في خلق هوية ثقافية جديدة على المجتمع الأردني، وبحكم الجوار وبحكم ما تتمتع به الخريطة الأردنية كان للتجارة وطريق الحج دور مهم في دخول الثقافة (الشامية) الى إطار هويتنا الثقافية وذلك منذ سنين عدة، وأضف الى ذلك الهوية الثقافية الفلسطينية والتي اندمجت مع هويتنا بشكل سريع جدا ومؤثر بحكم الجوار وبحكم تقارب العادات والتقاليد بل والإنصهار العائلي أيضا، كل ذلك كان له دور كبير في تشكيل إطار ثقافي قد يطغى بعضه على الآخر بحسب جغرافية المكان وبحسب الصفة الطاغية على تلك الفئة من المجتمع.
 
وكل الثقافات أعلاه تتسم بصفات تختلف كل منها عن الأخرى، بل ورسمت طابعا تقليديا وتراثيا على أصحابها قبل أن تنقل هذه الصورة إلينا من باب الحرص عليها وتواصل أبنائها على تداولها حتى يومنا هذا، فهم بتلك الصورة صنعوا لهم مجلسا ثقافيا وموروثا شعبيا تتناقله الأجيال فالأجيال. وإن إنخراط هذه الثقافات لدى مجتمعنا الأردني صنع منها مزيجا فريدا عن نوعه يتميز بتعدد الصور الفلكلورية والثقافية لدى المطلع عليها، بل وربما شكل هذا المزيد إلغاء أو إندحار بعض الموروثات والثقافات المحلية لدينا مما أدى إلى تجميد بعض عناصر هويتنا اليقافية عند بعض الحدود.
 
ولعل أبرز المواقف التي جمدت هويتنا هو عدم التركيز عليها والإبتعاد عنها بل وتصويرها بشكل سلبي وخاطئ في بعض المواقع أو بعض المناسبات أو حتى من خلال أسلوب حياتنا اليومي والإيجابي منها، الأمر الذي أدى الى تراجعها في محاولة لعملية طمس غير مباشرة وغير مقصودة لتلك الثقافة، والذنب في ذلك لا يعود أبدا لتعدد الثقافات بل لتجاهلنا لها والإبتعاد عنها وعدم التركيز عليها وتمثل ذلك بالدور السلبي لممارسات وزارة الثقافة وهي المعنية الأكبر بذلك الموضوع، حيث أنها مغيبة تماما عن مجتمعنا بسبات عميق لا أظن أنها ستستيقظ منه، حيث أن القليل من أبناء المجتمع المحلي على دراية تامة أو قليلة عن مراحل تلك الهوية ورجالاتها عبر تاريخ الأردن المعاصر، وهنالك تغييب شبه تام لتلك الأمور حتى في مناهجنا المدرسية التي تقوم بتدريس تاريخ أوروبا والحروب العالمية عوضا عن التركيز على المجتمع المحلي أو التاريخ العربي أو عناصر هذا التاريخ التي صنعت لنا أمجادا نسير عليها.
 
كل ما سبق قد يؤدي إلى نزيف حاد بين أفراد المجتمع وما بين هويته الثقافية والتي بدأ ينسلخ عنها بشكل لا إرادي، وإذا استمر الوضع الى ما هو عليه سنحمل هويات أردنية بدون أرقام ثقافية، سهلة التخريم والإتلاف، ولا تصلح للعبور من (حارة) إلى أخرى، فواجبنا يحتم علينا أن نحمل تلك الرسالة التاريخية المعطرة بعبق الماضي إلى أبنائنا وأحترم بذلك بعض الدول العربية التي جعلت من بعض موروثها الشعبي أو ثقافتها الجميلة أسلوبا منهجيا في الحياة اليومية والممارسات الإجتماعية، وواجبنا أيضا التذكير بذلك وعدم كتمانه في طي النسيان أو تجاهله.
 
إياد النجادا – قطر 


 

شاهد أيضاً

الاستثمار، الرهان الخاسر!

جميعنا اصبح يعي و يدرك أن تحقيق نسب نمو وخلق فرص عمل وتحريك الدورة الاقتصادية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *