الأتراك يتوّجون «السلطان» أردوغان..!!

حسين الرواشدة – الدستور
حسم الناخبون الاتراك قرارهم – امس – فصبوا نصف اصواتهم في حساب حزب العدالة والتنمية، لم يكن فوز الحزب بالمرتبة الاولى مفاجئا، فقد تصدر قائمة الفائزين على مدى 12 عاما، لكنه خسر في الانتخابات التي جرت قبل 5 شهور عددا من مقاعده لحساب حزب الشعوب الديمقراطي(اغلبيته كردية)؛ ما حرمه من الانفراد في تشكيل الحكومة، الان استعاد الاغلبية واصبح يمتلك نحو 49.5% من الاصوات و57% من مقاعد البرلمان(316 مقعدا من اصل 550)  حيث ان 4 ملايين صوت جديد انحازت اليه مما يعني ان الحكومة القادمة لن تكون حكومة ائتلافية وانما حكومة “اللون” الواحد، او هي ان شئت الدقة “حكومة اردوغان”. على مدى الاشهر الستة الماضية تعرضت تركيا لثلاث عمليات ارهابية ( اولها قبل الانتخابات البرلمانية السابقة بيومين واخرها قبل نحو 3 اسابيع من الانتخابات المبكرة)، وقد فهمت هذه العمليات “المدبرة” في سياق سياسي وانتخابي لدفع الناخبين الاتراك الى معاقبة حزب العدالة بالعزوف عن التصويت له تحت ذريعة التقصير “الامني” ، لكن يبدو ان الارهاب – كلاعب جديد دخل على خط الانتخابات الاخيرة – قلب تلك المعادلة(المؤامرة ادق)، واقنع الاتراك ان عنوان الامن والاستقرار مرتبط بالحزب المجرّب، وهو حزب التنمية والعدالة ومؤسسه اردوغان( تماما كما حصل في العشرينيات حين شعر الاتراك بالتهديد الذي تتعرض له تركيا)، الحزب الذي نقل تركيا على مدى العقد الماضي الى مرحلة جديدة من الانجاز السياسي والاقتصادي، وبالتالي فهو المؤهل لاعادة الاستقرار والتماسك اليها. مقابل فوز العدالة والتنمية، تراجعت حظوظ الاحزاب الثلاثة الكبرى في الانتخابات المبكرة( حصل الشعب الجمهوري على 24.5% والحركة القومية الطورانية على 12%  وحزب الشعوب الديمقراطي 10.5%) ، ورغم ان العدالة والتنمية كان بحاجة الى 43% من الاصوات ليتمكن من الانفراد في تشكيل الحكومة فانه حصل على 49.5% ، وهي نتيجة لم تتنبأ بها كافة استطلاعات الرأي التي اجريت على مدى الاسابيع الماضية، فيما اشارت دراسة( اجراها مركز البحوث المنوازنة) الى ان 65% من الناخبين الاتراك يفضلون ان ينفرد حزب واحد بالسلطة وتشكيل الحكومة ، وهو امر مفهوم اذا اخذنا بعين الاعتبار التجربة الفاشلة للحكومات الائتلافية التي لا تزال عالقة بذاكرة الاتراك. بعد هذا الفوز “ الكبير” اصبح بمقدور حزب العدالة والتنمية ان يمسك بمقاليد الحكم، وان يفرض برنامجه لاربع سنوات قادمة على الاقل، كما اصبح بمقدور الرئيس اردوغان ان يحقق حلمه في تعديل الدستور، وتطبيق النظام الرئاسي ، الذي سينقل تركيا من الحكم البرلماني الى الحكم الرئاسي، وهو الهدف الذي سعى اليه اردوغان منذ سنوات وتعسر في تحقيقه. بعد انتخابات حزيران الماضي قيل ان حزب العدالة والتنمية خسر عددا من المقاعد لكنه فاز بالديمقراطية والتاريخ( اشارة لحصول الاكراد ولاول مرة على 80 مقعدا في البرلمان)، هذه المرة فاز اردوغان وحزبه بالديمقراطية واغلبية المقاعد وبالزعامة التاريخية ايضا، لكن الاهم ان تركيا بعد هذه الانتخابات ستتجاوز مرحلة الشك” والاضطراب وعدم الاستقرار الى مرحلة “اليقين” السياسي والحزم باتجاه ملفات داخلية( اهمها ملف الارهاب والاقتصاد والتماسك الداخلي) وملفات خارجية معقدة( سوريا والعراق وازمات الاقليم المشتعلة)، ربما هنا سيتمكن اردوغان من اعادة النظر في مواقفه وسياساته التي وصفت “بالمتصلبة” على نحو اكثر انسجاما مع استحقاقات الاستقرار الداخلى ، لكن هذه المراجعات لن تنسحب – كما اتوقع- على الملفات الكبرى التي تتعلق بموقف تركيا من الحرب في سوريا او من الصراع الفلسطيني الاسرائيلي او من الاسلام السياسي ناهيك عن “ملف انفصال الاكراد” ، فقد تأسست في تركيا منذ وصول العدالة والتنمية للسلطة “حالة” سياسية لها استراتيجيات ثابتة ومتطابقة تماما مع افكار اردوغان وطموحاته. لا شك ان فوز حزب العدالة والتنمية ( وهو بالمناسبة ليس حزب الاخوان او الاسلام السياسي كما يروج البعض لان نسبة الاسلاميين فيه لا تتجاوز الـ 5%) سيشكل زلزالا سياسيا في المنطقة، وسيعيد رسم علاقات تركيا وتحالفاتها على مسطرة اكثر وضوحا وحزما، تتعارض بالطبع مع حسابات بعض الاطراف الداخلية والاقليمية لكنها تتطابق الى حد ما مع تطلعات اطراف اخرى، فهذا الفوز مثلا لن يسعد محور “الممانعة” ولا محور الاعتدال العربي ولا اسرائيل، فيما سترى اطراف اخرى ( الاخوان، حماس، قطر مثلا) فيه انتصارا او دعما معنويا لها، وبشكل عام فان من شأن هذا الزلزال – ان صحت التسمية – ان يعيد معادلة “توازن الردع السياسي” الى هذه المنطقة التي اصبحت فارغة تماما من اية قوة اقليمية اخرى قادرة على ضبط تمدد النفوذ المرتبط بقوى”اجهاض الثورات العربية” ، الذي تمثله دول اقليمية ودولية اصبحت  اجنداتها مكشوفة للجميع. يبقى اخيرا ان تركيا، وليس حزب العدالة ومؤسسه اردوغان فقط، فازت بتجربة ديمقراطية حرمت منها شعوبنا العربية( نسبة الاقبال على الصناديق تجاوزت 87%) ، كما انها (تركيا) فازت باستعادة عافيتها واستقرارها ودورها ومقعدها على طاولة الكبار في عالم لا يحترم الا الاقوياء، وهي مناسبة لكي نحتفي مع اخواننا الاتراك بانجازهم ونبتلع مراراتنا العربية ايضا

شاهد أيضاً

تشغيل أول محطة للطاقة الشمسية للمركز الدولي لضوء السنكروترون

بدأ المركز الدولي لضوء السنكروترون للعلوم التجريبة وتطبيقاتها في الشرق الأوسط (سيسامي) تشغيل أول محطة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *