أطفال البترا لا يجيدون العربية ويتحدثون عدة لغات أجنبية

يستيقظ الطفل أحمد البدول ذو  الـ12 ربيعاً فجر كل يوم حاملاً الأحجار الكريمة وبعضاً من صور الأماكن الأثرية في منطقة البترا، ويسرع للذهاب لموقع الخزنة ليعمل على بيع ما أتى به للسياح وزوار ثاني عجائب الدنيا السبع” البترا”، ثم يعود مع مغيب الشمس للبيت متعباً بعد يوم عمل شاق.
أحمد الذي لا يعرف القراءة والكتابة بالعربية ويجيد الحديث بعدة لغات أوروبية أصبح الآن أغلب أيامه قعيد البيت بسبب تراجع الموسم السياحي في البترا بشكل حاد.
وتمنى أحمد لو أنه كان قد التحق بالدراسة منذ صغره، مؤكدا بأنه “ليس لديه أي أمل بالمستقبل سوى العمل بالسياحة والتي بدأت منذ بداية العام بالتراجع إلى مستويات خطيرة”.
ويفقد أطفال منطقة أم صيحون بلواء البترا التابع لمحافظة معان حقهم بالتعليم والذهاب إلى المدارس في مراحل مبكرة من أعمارهم، نتيجة انجذابهم للعمل في القطاع السياحي بالبترا، لمردوده المالي السريع، رغم بذل الجهات الرسمية والأهلية جهوداً للحد من عمالة الأطفال والتسرب المدرسي في المنطقة.
وينتشر هؤلاء الأطفال الذين لا تتجاوز أعمارهم 14 عاما في الأماكن الأثرية بالبترا، يعملون كبائعين متجولين، بالإضافة إلى مرافقي خيول أو حمير أو جمال، ويتحدثون مع السياح والزوار بلغاتهم المختلفة، والتي تعلموها من خلال اختلاطهم بالسياح ومن مرافقة الأدلاء السياحيين، في الوقت الذي لا يجيدون فيه قراءة وكتابة اللغة العربية.
وتشير دراسات إلى أن نسبة التسرب المدرسي في منطقة أم صيحون تعد أعلى نسبة تسرب في المملكة، وهو ما أرجعته لعدة أسباب أهمها: العمل بالقطاع السياحي خاصة في منطقة البترا، والتي تعد من المناطق الجاذبة للسياحة، وعدم اهتمام الأهالي بالطالب وزجه في سن مبكر بسوق العمل، كون العمل السياحي غير متعب، بالإضافة إلى ضعف الإدارة المدرسية في جذب واحتواء الطالب، وتردد الجهات ذات العلاقة باتخاذها العقوبات بخصوص الطلاب المتسربين من المدرسة.
وتعد معضلة عدم إرسال بعض عائلات منطقة أم صيحون والتي تقطنها عشيرة واحدة تسمى قبيلة “البدول” أبناءهم إلى المدارس، من أهم المشاكل التي تواجه مديرية تربية لواء البترا، رغم توفر البيئة التعليمية المناسبة من مدارس يصل عددها إلى ثلاث، ومدرسة أخرى تابعة للثقافة العسكرية افتتحت الفصل الدراسي الحالي 2015/2016 ، مفضّلين إرسال أبنائهم للعمل في البترا خدمة للسياح أو التجارة.
ويقول مختار عشيرة البدول سليمان البدول إن “الحكومة مقصرة بحق أبناء منطقة أم صيحون”، ويؤكد أن “هذا التقصير انعكس على أبناء المنطقة بعدم توعيتهم وتوجيههم إلى الدراسة، حتى وصلنا اليوم إلى شباب لا يجيدون قراءة وكتابة اللغة العربية، في الوقت الذي يمتلكون فيه القدرة على التحدث بلغات أخرى أبرزها اللغة الانجليزية بلكناتها المختلفة والفرنسية والألمانية ولغات وغيرها”.
وأشار إلى أن “العديد من الأسر نادمة على عدم إرسال أبنائها للمدارس، خاصة بعد أن انخفضت معدلات زوار البترا بسبب الأحداث الدائرة بالمنطقة، ونتيجة ذلك ترك أبنائهم العمل بالقطاع السياحي وذهاب بعضهم للبحث عن وظيفة في القطاعين الحكومي والخاص، دون أن يحمل أي مؤهل علمي، فيما آخرون جلسوا في البيت وعلى قارعة الطرقات”.
ويؤكد البدول أن “السياحة في البترا أضرت بأبناء أم صيحون من خلال حرمانهم من حقهم بالتعليم، وهذا تقصير مشترك يتقاسمه الأهالي نتيجة غياب الوعي لدى هذه الأسر لتوجيه أبنائها نحو التعليم بدلا من العمل في القطاع السياحي، ووزارة التربية التي لم تفعل التعليمات بإلزامية التعليم”.
وأكد مختصون أن السياحة توفر فرص عمل مغرية للأطفال في منطقة أم صيحون ما شجعهم على ترك المدارس، مؤكدين أن هذه الظاهرة أسهمت في تنامي نسبة التسرب من المدارس وارتفاع معدلات الأمية، مما انعكس سلباً على مدى أكثر من أربعة أجيال من الأطفال والشباب واستمرار تدوير هذه التأثيرات السلبية واتساع دائرتها.
وأظهرت دراسة للمختصة الدكتورة مرام الفريحات من جامعة الحسين بن طلال أن معدل عدد الأطفال العاملين في قطاع السياحة في البترا يتجاوز الـ 400 طفل، إذ قد يصل إلى 550 طفلا في أوج الحركة السياحية ويتراجع إلى نحو 250 طفلا في فترات تراجع الموسم السياحي.
وأشارت فريحات أن “عمالة الأطفال في قطاع السياحة تعد أحد أخطر أنواع العمل الذي يجذب الأطفال، نظرا للميزات التي يوفرها العمل في المرافق الخدمية السياحية”، مبينة أن “حجم المردود المالي الذي يحصل عليه الأطفال والذي يؤدي إلى حرمانهم مبكرا من التعليم ومن فرص الحياة المستقبلية، دفع منظمة العمل الدولية الى وصف الأطفال العاملين في السياحة بأنهم أفقر الفقراء”.
 وأوضحت الدراسة أن “عمل الأطفال في قطاع السياحة في البتراء يشكل خطرا على مستقبلهم، مقارنة بالعمل في قطاعات أخرى، فضلا عن ارتفاع أعداد الأطفال الذين تركوا مدارسهم للعمل في سن مبكرة لسهولة أداء العمل في السياحة، إلى جانب سوء الأحوال السلوكية التي يكتسبها الطفل من خلال الاتصال الثقافي مع السياح والعاملين الكبار معه في نفس المكان والاحتكاك والمنافسة بين الأطفال أنفسهم”.
وأظهرت الدراسة ارتفاع نسبة الذكور العاملين مقارنة مع الإناث وهذه نسبة تتفق مع الإحصاءات الوطنية والإقليمية والعالمية، فجاءت نسبة الذكور 89 % والإناث 11 %، وتركزت أعمار الأطفال العاملين بالفئة العمرية 7-12 سنة بنسبة 41 % ويليها الفئة العمرية 16-18 سنة بنسبة 36 %، ويوجد 54 % من الأطفال العاملين في المرحلة الأساسية وهناك نحو 18 % من الأطفال العاملين هم أميون لا يقرأون ولا يكتبون، وأغلب الأطفال بنسبة 90 % يقيمون في منطقة أم صيحون وهناك مجموعة أخرى تقيم في منطقة وادي موسى بنسبة 2.8 %.
وأشارت الدراسة إلى أن أغلب الأطفال يعملون كبائعين متجولين بنسبة 58.2 % ويلي ذلك نحو 32 % يعملون مرافقي خيول أو حمير أو جمال، أما دخولهم الشهرية من العمل فقد تركزت في فئة 301 دينار فأكثر بما نسبته 42 %، ويليها فئة الدخل 101-200 دينار بنسبة 36 %، وهي مرتفعة مقارنة مع دخل الأطفال العاملين في قطاعات أخرى في الأردن، التي لم يتجاوز متوسط دخلها 86 دينارا في الشهر.
وتلاحظ الدراسة ارتفاع نسبة الأمية بين آباء وأمهات الأطفال العاملين وشكلت نسبة الأمية للآباء 40 %، مما يشير إلى عدم توفر البيئة الأسرية التي تعي أهمية التعليم والحد من تسرب الأطفال من المدارس، وفي المقابل تبين الدراسة أن 49 % من آباء الأطفال عاملون في قطاع السياحة و17 % من أمهاتهم عاملات في القطاع ذاته.
وأكدت الفريحات أن “الفقر والظروف الاقتصادية لأسر الاطفال العاملين في القطاع السياحي ليس سببا وحيدا دفعهم للعمل وترك المدرسة، وإنما أغلب الأطفال العاملين تتصف أسرهم بدخل مرتفع وأغلبهم يتركز في منطقة أم صيحون”، مبينة أن “الأطفال العاملين في ازدياد، خاصة داخل الموقع الأثري مما يشكل مصدرا لإعاقة التنمية السياحية والتعدي على الموقع الأثري مثل تفتيت الصخور الملونة بهدف بيعها والحفر على الواجهات الصخرية وتشويهها، فضلا عن استخدام الكهوف الأثرية لقضاء الحاجات الصحية”.
وأوصت الدراسة بإطلاق برامج لدعم تحسين بيئة المدارس في مناطق أم صيحون والبيضا ووادي موسى لتكون أكثر جاذبية للأطفال، إضافة الى تطوير برامج لتدريب المعلمين والمعلمات وإكسابهم مهارات جديدة تمكنهم من التعامل مع الأطفال المعرضين للخطر.
ويشير قانون التربية والتعليم لسنة 1994 في المادة ( 10) الفقرة (أ) ان “التعليم الأساسي تعليم إلزامي ومجاني في المدارس الحكومية”، وتنص الفقرة (ب) من نفس المادة  “يقبل الطالب في السنة الأولى من مرحلة التعليم الأساسي اذا أتم السنة السادسة من عمره في نهاية كانون الأول من العام الدراسي الذي يقبل فيه”، والفقرة ( ج) من ذات المادة، “لا يفصل الطالب من التعليم قبل إتمام السادسة عشرة من عمره ويستثنى من ذلك من كانت به حالة صحية خاصة بناء على تقرير”.
وبحسب إحصائيات صادرة عن قسم التعليم العام في مديرية لواء البترا فإن عدد المتسربين من مدارس منطقة ام صيحون للعام الدراسي 2014/2015 وصل الى أكثر 25 طالباً وطالبة من أصل 200 طالب وطالبة في مدارس المنطقة، مرجعة سبب تسربهم إلى عدم الرغبة بالدراسة واللامبالاة وإهمال ولي الأمر، في حين أن عددا كبيرا من الطلاب لا يكملون دراستهم بعد الصف العاشر ويذهبون الى سوق العمل بالقطاع السياحي.
ويؤكد المدير الإداري في مديرية تربية لواء البترا جاسر الرواشدة أن “إجراءات التربية في حال تسرب الطالب من المدرسة تنحصر بتزويد بقيام المدرسة بتزويد مديرية التربية بأسماء الطلاب المنقطعين عن الدراسة كل أسبوعين، والتي تقوم هي بدورها بمخاطبة الحاكم الإداري بأسماء الطلاب المتسربين من المدرسة لغاية الصف العاشر وهي المرحلة الإلزامية”، مؤكداً أن “الحاكم الإداري يستدعي ولي أمر الطالب لإرجاع ابنه إلى الصف ليكمل حياته الدراسية، لكن في أغلب الحالات لا يرغب الطالب بالعودة إلى المدرسة”.
ويشير الرواشدة أن “المدارس في منطقة أم صيحون تلقى عناية خاصة من قبل وزارة التربية والتعليم وتحاول جاهدة توفير بيئة تعليمية مناسبة خاصة بما يتعلق باستقرار الهيئات التدريسية حيث لا يوجد أي نقص لأي معلم”.
ويدخل أحمد ضمن فئة الأطفال الذين تركوا دراستهم وعملوا “كأدلاء محليين” للسياح في البترا.  ويشير أحمد  إلى أن أشقاءه ووالده من قبله عملوا في القطاع السياحي لتأمين احتياجات الحياة اليومية، مؤكدا أنَ “الشهادة الجامعية في الوقت الحالي لا تغني ولا تسمن من جوع وعملي كدليل للسياح أفضل بكثير من دراستي والشهادة الجامعية”، قائلا إنني أجيد التحدث باللغة الانجليزية وبلكناتها المختلفة بالإضافة الى اليابانية والفرنسية”.
لكن الشاب صالح عبر عن ندمه على ترك التعليم في مرحلة مبكرة ويؤكد أنّ “السياحة تراجعت كثيراً عن السنوات الماضية خاصة بعد الربيع العربي ولا تجد نفعاً هذه الأيام”، موضحا أنه عاقد العزم على تقديم المرحلة الثانوية “التوجيهي” والتوجه الى الجامعة لإكمال تعليمه الجامعي، كما فعل ابن عمه أيمن وأكمل درجة الدكتوراه وهو الآن متواجد في إحدى الدول الأوروبية.
ويلفت عماد الذي لا يتجاوز عمره 15 عاماً إلى أنه يتكلم الإنجليزية وقليلاً من الفرنسيّة والإسبانيّة، ويقول “أتواجد يومياً هنا بالبترا وأبيع القلائد وبعض التحف منذ خمس سنوات”، مشيرا إلى أن “التعامل اليومي مع السياح الأجانب أكسبني إتقان اللغة الانجليزية والعديد من الكلمات في لغات أجنبية أخرى كالفرنسية والإسبانية”.
 ويضيف “ليتني كنت في المدرسة الآن لما وصلت الى درجة العمل اليومي المرهق في البترا بساعات طويلة”، ويلقي عماد اللائمة على والديه اللذين أوصلاه لهذه المرحلة.
احمد الرواشدة – الغد

شاهد أيضاً

740 مليون دينار الدخل السياحي منذ بداية العام

أعلنت وزيرة السياحة والآثار لينا عناب الانتهاء من تحليل نتائج الربع الأول من مسح القادمين …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *