الاكتئاب وعلاجه

بقلم الاستاذ زياد ملاوي فريحات – كلية علوم التجارة والاقتصاد – جامعة شمال امريكيا

تورنتو- كندا

الاكتئاب عبارة عن مصطلح يستخدم لوصف خليط من الحالات المرضية أو غير المرضية في الإنسان والتي يتغلب عليها طابع الحزن. و هناك أنواع متعددة من الاكتئاب قسمت حسب طول فترة الحزن وعما إذا كان الحزن قد أثر على الحياة الاجتماعية والمهنية للفرد، وعما إذا كان الحزن مصحوبا بنوبات من الابتهاج، إضافة إلى نوبات الكآبة فهناك الاكتئاب المؤقت والاكتئاب الدائم او الاكبر. ولا يعتبر الإنسان المخلوق الوحيد الذي يمكن أن يصاب بالاكتئاب، حيث يصاب فصيلة الثدييات مثل المواشي والحيونات الاليفة بالكآبة.
وفي الإنسان، يصاب عادة %20 من الإناث و %15 من الذكور بنوبة من الكآبة في حياتهم على أقل تقدير، وهناك نسبة تكاد تكون ثابتة في مختلف المجاميع البشرية مفاده أنه من %5 إلى %10 من الأناث ومن %3 الى %5 من الذكور مصابون بما يسمى نوبة الأكتئاب الكبرى، وهذه نسبة عالية جدا مما يجعل نوبة الاكتئاب الكبرى من أكثر الأمراض النفسية شيوعا، ويعود الاكتئاب الى الاف السنيين وقد يكون منذ بدائة الكون عندما اغرت سيدتنا حواء سيدنا آدم بالتفاحه ووجد نفسه في ورطة، طرد من خلالها من الجنة…!
انتشر الاكتئاب فى عصرنا هذا بشكل كبير وملحوظ لعدة اسباب اجتماعية، سياسية ومادية، كرد فعل لما يعانيه الانسان في هذا العصر من الاحباط وخيبة الامل و التشائم، او نتيجة للرغبات المتعارضة وغير المشبعة ،و لفقدان الامل او العلاقة الودية او الحب الغير متبادل، أو نتيجة للرفض الاجتماعي وضغوط الدراسة أو العمل أو الامراض الجسدية والنفسية المنتشرة، او عدم الثقة بالنفس أو كنتيجة للخطية او الشعور بالذنب او بالاحر للفرق الشاسع بين المستويات الاجتماعية والفكرية.
كما ان الصراعات والتغيرات والضروف السياسة، والعنصرية والارهاب، والاستعمار، والضروف المجتمعية والمشكلات العائلية فى محيط الاسرة والعمل والمجتمع مع عدم القدرة على التكيف معها، والبطالة عن العمل تخلق لدى الانسان درجات متفاوتة من الغيرة والحسد وبالتالي الكآبة. والكآبة لا تنحصر على الاقل حظاُ فكرياُ او اجتماعياً او مادياً، فهناك العديد من الشخصيات الدورية والقلقة التي لديها قابلية أكثر للتعرض للحزن والكآبة واليأس من شخصيات نابغة وبارزة، من ملوك وامراء وحكام وذو المناصب الرفيعة والنجوم اللامعة والاثرياء الذين يتعرضون لموجات الحزن، والكآبة، ومن ثم الادمان على الكحول والمخدرات.
وعلينا أن نقاوم نوبات الاكتئاب المهلكة ، لأنه لو أتيحت لهذه النوبات، عن طريق هجمات متفرقة طائشة، وتغيرات عشوائية غير متوقعة، فرصة التسلط على تفكيرنا، لإعاقتنا باستمرار غير سليم عن كل استرسال حكيم في التأمل العملي والعلمي والرباني، لدمرت مجتمعنا تماما، وأحبطت العقل الذي ينحدر من حالة نقائه الكامل. ومن ثمَّ يتعذر على المكتئب أن يمارس اخلاقه وأيمانه وصلواته كما اعتاد ببهجة قلب، أو أن ينتفع بما تُضفيه مطالعة الايات والأسفار الالهية المقدسة من تعزية، أو أن يعامل الاخوة بالهدوء والرفق، بل تجعله عنيفًا، ضيق الصدر في إتمام جميع الواجبات المتعلقة بالعمل والعبادة، وما دامت كل مشورة صالحة قد صارت هباءً، وسلامة القلب تبددت، فإن المشاعر قد تنهار حتى تصل إلى حافة الخبل والسفه، ويستبد بها القنوط جزاء لها.
أحيانا يتضح أن الاكتئاب ناتج عن سقطة غضب سابق، أو عن رغبة في بعض الكسب الذي لم يتحقق، حين يجد الإنسان ما أنه عجز عن تحقيق أمله في نوال تلك الأشياء التي استهدفها وخطط لها من حلم او علاقة حب، او منصب او ثروة. وأحيانا أخرى، بدون أي سبب ظاهر في استدراجنا للوقوع في هذه المحنة تحل علينا فجأة بغواية العدو الخبيث كآبة بالغة لا نستطيع معها أن نستقبل، في أدب لائق، زيارات أقرب الناس وأعزهم إلينا، حتى لنعتبر أن أي موضوع للحديث يطرقونه، جاء سقطا وفي غير موضعه. كذلك نعجز عن الرد المهذب بسبب المرارة التي تستولي على كل ركن من أركان قلوبنا.
ومن أعراض الاكتئاب، روح الحزن التي تسيطر على الانسان، وفقدان الرغبة فى الحياة ، والانطواء والكسل المفرط، والبكاء، والضجر المستمر، والإنهاك، والقلق، والأرق واليأس. والهروب من الواقع والتغيب عن الدراسة أو العمل وادعاء المرض وعدم المشاركة فى الحياة الاسرية والاجتماعية او التهجم على الغير لدى الشخصيات العدوانية . هذه كلّها إشارات إلى ضرورة عدم إهمال الأمر والحاجة إلى تفحّص النفس بشكل دقيق. ويحتاج الإنسان إلى البحث في داخله عن الأوهام المحطَّمة في حياته، وعن الأحلام المخبأة من دون أن تتحقق، وعن الغضب المكبوت، وعن الأمور التي يمنعه غروره من الاعتراف بأنّها أثّرت فيه.
فالاكتئاب هو حاجز يمنع الإنسان من الشركة والتعاون مع الغير والتمتع بثمار تعبه. والاعتراف بما نعانى ضروري لأن الرفض والكبت يساهمان في تنمية الاكتئاب.
ان اليأس وصغر النفس وفقدان الهدف، يدفع النفس إلى حالة من الكآبة تهدم كيان الإنسان الداخلي، وتُحطم رجاءه في الرب، ومساعدته على تقبل العلاج. ولقد عرف المحللون الاكتئاب ووسعوا الى شرحه والتغلب عليه. فبعضهم اعتبره أحد أعراض الغرور والحسد والغيرة، والهروب من الواقع، ومن الخضوع الى مشيئة الله ومحنه واردته. وافضل علاج للأكتئاب هو الرجوع الى الله والتواضع، ولا نثنيه ابدا عن أن يرى طبيب نفساني، او اي معالج أو مرشد، او عن تناول الدواء.
وحتى فى مجال التوبة وعلاج الشعور بالذنب، نحن فى حاجة إلى مراجعة انفسنا ومفهومنا عن القدرة الالهية والتوبة الى الله، فالحديث المستمر عن الخطية وعقاب الاخرة فقط، يُحطم الرجاء، لان الامل بالله يواسي المكتئب ويمنحه العزيمة وقوة الارادة والثقة بالنفس والله غفور رحيم .

شاهد أيضاً

الاستثمار، الرهان الخاسر!

جميعنا اصبح يعي و يدرك أن تحقيق نسب نمو وخلق فرص عمل وتحريك الدورة الاقتصادية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *