أشرف وناديا.. عشرة أعوام أردنية من انتصار الحياة على إرهاب الموت

علـى غرار كل فتاة، مارست ناديا العلمي حلمها المشروع منذ طفولتها برسم ليلة زفافها في مخيلتها، بفستانها الأبيض الذي تجمّله ذراع فارسها القادم إليها على وقع أصوات زغاريد الأهل وفلاشات كاميرات التصوير.
غير أن تلك الصورة التي رسمتها ناديا سرعان ما تحولت قبل عشرة أعوام، إلى فجيعة بعيدة كل البعد عن دهشة اليوم المنتظر الذي حلمت به، إذ تحول الفستان الأبيض بطرفة عين، إلى ثوب رمادي مائل للسواد، فيما أزاحت الذراع التي كانت تتشبث بها رياح الخوف، واستحال صوت الزغاريد إلى صراخ وعويل.
عشرة أعوام مضت على ذلك اليوم الأسود، الذي ما يزال يبكي فيه الأردنيون، وما تزال جراحه مخضبة في نفوسهم، عندما حلّ ظلام الإرهاب على عمّان وأنوارها، مخلفاً حسرة في القلوب عنوانها “تفجيرات عمّان”.
ففي هذا اليوم من كل عام، يعود الأردنيون بذاكرتهم إلى مساء تلك الليلة المشؤومة، عندما دوّت أصوات تفجيرات إرهابية في سماء عمان، مستهدفة ثلاثة فنادق في العاصمة، مخلفة وراءها، نحو ستين شهيدا وعشرات الجرحى، فيما وحدت هذه التفجيرات الإرهابية ووقعها الأليم، كل الأردنيين في مواجهة إرهاب أعمى، استهدف أمنهم وطمأنينتهم، وحوّل أفراحهم إلى أتراح، كما حدث في التفجير الأكبر الذي استهدف حفل زفاف العروسين ناديا العلمي وأشرف دعاس في فندق “الراديسون ساس” سابقا.
وتروي العلمي تجربتها المأساوية في حديثها مع “الغد”، مؤكدة أن التفجير استهدف أهم يوم في حياتها وهو يوم زفافها، عندما خرجت من منزل والدها مساء، ودقات قلبها تخفق فرحا وشغفا للحفل الذي سيقام في الفندق، لكنها خرجت منه متحسرة القلب ومفجوعة على فقدان والديها من أثر التفجير الإرهابي.
وتضيف: “نعم كل فتاة تحلم بيوم زفافها، لكن بالتأكيد لا تحلم به على هذا النحو، فقد حرصنا أنا وأشرف أن يكون يومنا الأهم أقرب للكمال، ودققنا حتى في اختيار لون الأزهار التي كانت تزين قاعة العرس، والتي تحولت في غضون ثوان إلى قاعة سوداء تكسوها الدماء”.
وتضيف: “كان يوم زفافي قبل أن تحدث الفاجعة أكثر من جميل، لكن للأسف كل ما أحتفظ به اليوم هو صورة لعروس مرتدية فستانا أبيض، وضحكتها بحجم الدنيا، قبل أن تتحول إلى صورة عروس تبكي بفستان تحول إلى أسود”.
ولم تكن تتخيل العلمي أن يتحول أجمل يوم في حياتها الى أكثر الأيام ألما بالنسبة للأردنيين، فما حدث لها “لا تتمناه لعدو”، كما تقول، وعلى الرغم من مضي عشرة أعوام على ذلك اليوم، ما تزال الحسرة تملأ قلبها، وكأنها وليدة اللحظة.
أما بحسب زوجها أشرف دعاس الذي فقد والده في ذلك الهجوم الإرهابي فإنه “من الغريب الموجع في الموضوع، أنني وناديا لا نحتفل بعيد زواجنا على غرار كل الأزواج، ففي هذا اليوم نخلد ذكرى ستين شهيدا قضوا في التفجيرات”.
ويضيف دعاس: “أنا على يقين تماما أن وجع ذكرى التفجيرات التي تصادف اليوم، بالنسبة لي وناديا، لا يقل عن وجع كافة الأردنيين، فهو يوم أسود بالنسبة لنا جميعا”.
ولم يكن يتوقع دعاس أن ينتهي يوم زفافه، الذي يؤكد أكثر من مرة أنه خطط له بالتفصيل هو وناديا، بواقعة بشعة تفوقت على كافة معاني الإجرام، حيث يقول: “لا أنسى لهفة والدي يوم زفافي أن نصل الفندق بسرعة لبدء مراسم الزفاف، وبعد كل يوم من ذلك اليوم، صرت أدرك أكثر لماذا كان مستعجلا”.
ويضيف دعاس: “تلك الواقعة، وبعد عشرة أعوام على مرورها، تبدو لي وكأنها حدثت أمس، لكن الحياة يجب أن تستمر، ولم يستطع ذلك الإرهاب الأسود أن ينال من عزيمتنا وتصميمنا على التمسك بالحياة”.
ويبادر بتوجيه رسالة للأردنيين الذين يحيون ذكرى مؤلمة اليوم: “يجب أن نبقى متكاتفين كما عهدنا أنفسنا، إذا اشتكى عضو منه، تداعى له باقي الأعضاء للتخفيف عنه”.
ويزيد: “يجب أن يتوقف الإرهاب، وأن يحارب، لأنه شوه صورة ديننا المتسامح البريء بأفكاره المتطرفة”.
وبتصميمه على التمسك بالحياة وهو زوجته، وبعد عشرة أعوام، ينظر دعاس اليوم إلى ابنته هالة (8 أعوام) وابنه الذي حمل اسم جده الشهيد خالد (4 أعوام) بعيون الأمل والتصميم، ليصنع منهم أناساً يحبون الحياة ما استطاعوا إليها سبيلا.
الغد 

شاهد أيضاً

تشغيل أول محطة للطاقة الشمسية للمركز الدولي لضوء السنكروترون

بدأ المركز الدولي لضوء السنكروترون للعلوم التجريبة وتطبيقاتها في الشرق الأوسط (سيسامي) تشغيل أول محطة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *