إنهـم يسرقـــون الفـــرح..

( في ذكرى الأربعاء الأسود 9/11/2005 )

زينوا الساحات …. وافرشوا الأرض فلا وياسمينا وانثروا الزهور على المداخل .
ها هو العريس يلبس بذلته البيضاء ….. وها هي العروس تضع اللمسات الأخيرة على تسريحة شعرها ….ها هما يطلان من وراء زجاج النافذة وبريق السعادة يلمع في عينيهما ….. إنهما يتواعدان على مستقبل مشرق …

إنها ليلة فرح …..ليلة تزف فيها طيور القلوب وتغرد البلابل وتتلاقى الأرواح …. هيا …هيا …. نظرت الأم لابنتها بفرح مغلف بالدموع :
تعالي يا حبيبتي …. أخيرا كبرتِ وأصبحتِ شابة يزدهي الشباب بك …. كوني يا بنيتي الفتاة المطيعة ،،، المحبة لبيتها وزوجها … إن قلبك الكبير يجب أن يكون كثوبك الأبيض …. ردت بدلال الصبايا :
حاضر … يا أيها القلب المعطر بأريج الحب والحنان …. أيتها الروح المحلقة مع أرواحنا أنى سافرتْ … أفي دنيا الواقع كانت أم …. في دنيا الخيال ؟؟؟!!!

اجتمع الأب مع ابنه وقبَّل وجنتيه وقال :
هذا يوم فرحي سأراك عريسا وأنت زين الشباب ، اصبر على الأيام …. وكن نخلة تعطي ولا يستطيع أحدٌ النيلَ منها ….. كن نجمة تضيء الطريق للآخرين ولكنها عالية لا تطالها الأيدي .

اجتمع الحضور ما شاء الله !!!! صلوا عالنبي العدنان ….

بدأت الزفة … بدأ المنشدون بلباسهم الأبيض :
عريسنا زين الشباب …..زين الشباب عريسنا ……….
كانا كطائرين حطا في قفص جميل ….بدأت زغاريد الأمهات وأصوات الأناشيد الحنونة وبدأ الغناء….
طب الفرح دارنا ….. يا مين يهنينــــا
والمبغضين أبعدوا ….عنا ولا جونـــــا
ويستمر الغناء والزجل ….
عريسنا زين الشباب ….. زين الشباب عررررر …..
ما هذا ؟؟؟؟ أصوات دمار ، خراب ….موت ….. أشلاء ….
ماذا حصل ؟؟؟ أزلزال أم بركان ؟؟؟ أم أن الله اختار هذا اليوم ليطويَ الأرض كطي السجل ؟!!!!دوى صوت عالٍ لا يستطيع أحد أن يسمعه …. وهل يُسمَع صوت الدمار؟؟؟؟؟؟ وهل يطيق أحد رائحة الخراب ؟؟؟؟؟
تلطخ الثوب الأبيض بالدماء ….
والناس…. أين الناس ؟؟؟؟؟!!!! أين الوالد الحاني ؟؟؟؟!!!! أين الأم العطوفة
؟؟؟؟!!!! أين عمي؟؟ أين خالي؟؟ أين صديقي؟؟ أين ضحكة الأطفال ؟؟؟؟
أين فرح الصبايا وأهازيج النساء ؟؟؟؟ أين ؟؟؟ أين ؟؟؟ أين ؟؟؟…
هل قتلت الطفولة ، واستُـبيح الحنان على نصاب سكين الغدر ؟؟؟……
هل ماتت الفرحة وانطفأ سراج الحب ؟؟؟؟؟
هل اتشحت الدنيا بالسواد ، وتلبدت بها غيوم الضغينة والأحقاد ؟؟؟ !!!!..
صرخ العروسان : لا …لا … لا …. نحن لم ندعُ أمواتا إلى فرحنا … بل دعونا أحياء !!!!

لا … لا … لا… ليس في أردننا …. ليس في خيمة الأمن والأمان ……
ليس هنا وتاج هاشمي يرعى نفوسنا ويتوجنا بالاطمئنان ….. نحن لسنا ممن يقف على باب كل مكان ويفتش الضيوف …ويشك بالقادمين …. ظنناهم مثلنا ……سفراء المحبة …. ننشد أناشيد الحب والإخاء …. لا نعرف الخيانة !!!!!

انقطع الخبر … واختنق الصوت .. وبعد أن أُضيئت قناديل البهجة … وأُشعِلت شموع السعادة …. انطفأ النور … انطفأ الحلم …………
نعم لقد ضاع الفرح …. وانتصر الحقد ….. نعم لقد ضاع الحنان بين براثن الموت ….. وانقرض الحب بين أنياب القتل ، وسفكت دماؤه على قارعة الطريق …
نعم لقد صار القتل لعبة الأبطال …. وفرحة القساة …. يذبحون الأفراح في مذابح الأحقاد …. ويستبيحون محارم النفوس …..
تغيرت سمفونية الفرح ، وأهزوجة الحياة وبدأ المنشدون بلباسهم الأسود : …
طب الحزن دارنا …………….يا مين يعزينـــــا
والمبغضين قربوا …………… عنا وهدّونـــــــا

هذه هي قصة ذكرى أعوام مضت ، ذبحت فيه الأفراح ….. وقتلت فيه البراءة ….وأصبح الفرح حزينا …. وأصبح الحزن عريسا …والمصيبة عروسا …… واختنقت البسمة ………….وغابت من ذاكرتنا أحداث الفرحة وطبعت فيهاالآلام ……
لا نتذكر في ذلك اليوم إلا لونين ……
الأحمر …… و……..الأسود ……
إنهم لم يسرقوا الفرح وحسب ……
بل لقد قتلوه وذبحوا معانيه العظيمة !!!!!!!!!!!!!!

رابعة المومني / الكويت

شاهد أيضاً

الاستثمار، الرهان الخاسر!

جميعنا اصبح يعي و يدرك أن تحقيق نسب نمو وخلق فرص عمل وتحريك الدورة الاقتصادية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *