التغطية الإعلامية لحادثة الشقيقتين

فهد الخيطان – الغد
حظيت مأساة الشقيقتين ثريا وجمانة، بتغطية استثنائية في وسائل الإعلام المحلية والأجنبية، ومواقع التواصل الاجتماعي، لسببين رئيسين: الأول، إقدام الشقيقتين على الانتحار، وفق الرواية الرسمية والنهائية لجهات التحقيق الشرطي. والثاني، أن الشقيقتين من الشخصيات العامة والمعروفة على نطاق واسع، داخل وخارج الأردن.
السبب الأول كان كافيا وحده لشد اهتمام وسائل الإعلام والجمهور العريض من المتابعين. وقد أضيف إليه سبب ثان، زاد من منسوب الإثارة والاهتمام، ودفع بعشرات الأسئلة المشروعة حول دوافع “انتحار” سيدتين تمثل حياتهما قصة نجاح تُقتدى.
وفي حوادث مثيرة كهذه، عادة ما تنطوي التغطيات الإعلامية على قدر غير قليل من التجاوزات والمبالغات، خاصة من طرف النشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي. وفي حادثة الشقيقتين على وجه التحديد، ارتُكبت تجاوزات وأخطاء مهنية من جانب وسائل إعلام تقليدية، حتى إن موقعا إخباريا مرموقا كموقع “هفنغتون بوست”، بنسخته العربية، استند في أحد تقاريره إلى معلومات مفبكرة لا تدعمها الأدلة والمصادر، تفيد بتورط شخصية رفيعة المستوى بحادثة الشقيقتين ثريا وجمانة. وفعلت نقابة الصحفيين الأردنيين خيرا عندما أحالت إحدى الصحف إلى المجلس التأديبي، لنشرها صورة الشقيقتين بعد الوفاة. وفي اعتقاد الكثيرين، فإن تفعيل آلية المجالس التأديبية سيحد من التجاوزات المهنية والأخلاقية، ويقوي موقف النقابة في معارضتها للتشريعات والتفسيرات القانونية التي تحد من حرية الصحافة، بدعوى مواجهة التعديات على قواعد المهنة وأخلاقها.
لكن ينبغي علينا أن نميز، وبدقة، بين التجاوزات التي وقعت في حادثة الشقيقتين، والتغطيات المنصفة في معظم وسائل الإعلام. إن وصف حادثة وفاة الشقيقتين بالانتحار لم يكن اختراعا إعلاميا أطلق جزافا، وإنما هو الوصف الرسمي للحادثة من طرف جهات التحقيق الرسمية منذ الساعات الأولى التي تلت الحادثة. وبعد أقل من 72 ساعة على الحادثة، عادت مديرية الأمن العام وأصدرت بيانا رسميا أكدت فيه، وبشكل قاطع، فرضية الانتحار.
هناك أكثر من سبب دفع بالكثيرين، خاصة دائرة المعارف والمقربين من الشقيقتين، إلى التشكيك بفكرة الانتحار، لعل من أبرزها حالة الصدمة التي خلفتها الحادثة لدى أشخاص عرفوا الشقيقتين عن قرب، ولم يكن بوسعهم التصديق أن سيدتين تملكان كل مقومات النجاح يمكن أن تقدما على فعل الانتحار. مثلما أن حوادث الانتحار السابقة لم تسجل من قبل إقدام شقيقتين على الانتحار معا.
والشكوك هنا مشروعة؛ فالحادثة تنطوي على قدر كبير من الغموض وعدم اليقين. وإذا كانت الورقة “الوصية” التي وُجدت في جيب المرحومة ثريا تقدم تفسيرا يدعم فرضية الانتحار، فماذا عن شقيقتها التي لم تفدنا المعلومات الرسمية بشيء يفسر سلوكها هذا؟
لا نملك الحق أو الدليل للتشكيك بالنتيجة “السريعة” التي خلص إليها التحقيق في حادثة وفاة الشقيقتين. لكن أعتقد أن بوسع أي صحفي شاب؛ شجاع ومحترف، أن يأخذ على عاتقه القيام بتحقيق صحفي استقصائي لفك الألغاز المحيرة في القضية، وجمع الأدلة والشهادات الميدانية، للوصول إلى الحقيقة؛ انتحار أم قصة لها ما قبلها وبعدها من تداعيات، من دون المس بالخصوصية، واحتراما لإرث المرحومتين ثريا وجمانة بعد أن رحلتا عن عالمنا، ولم يعد بمقدورهما رواية القصة.

شاهد أيضاً

تشغيل أول محطة للطاقة الشمسية للمركز الدولي لضوء السنكروترون

بدأ المركز الدولي لضوء السنكروترون للعلوم التجريبة وتطبيقاتها في الشرق الأوسط (سيسامي) تشغيل أول محطة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *