العدوّ واحد

أيمن الصفدي

لم تنكشف بعد كامل التفاصيل حول الإرهابيّين الّذين كسروا سكينة باريس بهمجيّتهم ليل أوّل من أمس. لكن لا غموض حول الهويّة الظلاميّة للمجرمين. لا يختلف الّذين قتلوا الأبرياء في باريس عن أولئك الّذين استباحوا الرقّة، واغتصبوا الأزيديّات في سنجار، وقطعوا رؤوس العزل في الأنبار ودير الزور. هم أعداء الحضارة الإنسانيّة بكلّ تنوّعاتها الدينيّة والعرقيّة والثقافيّة.
وُلد هؤلاء من قرون الجهل والتخلّف الّتي حيّدت العقل في عالم العرب. نموا في بيئة القمع والإقصائيّة واليأس في عراق صدّام وما بعده، في سورية بعث الأسد، وفي بؤر العوز والتّهميش الثقافيّ والسياسيّ المتنامية في حاضرات عالم اليوم وصحاريه الاقتصاديّة والاجتماعيّة. وامتدّوا وتكاثروا نتيجةً حتميّةً للفشل الإقليميّ والدوليّ في كبح دماريّتهم.
لا مكان ولا عرق ولا دين خارج قائمة استهدافات الإرهاب. ولا فرق بين “دواعش” الأنبار و”نصرة” إدلب و”باكو حرام” أفريقيا إلّا بحجم القدرة على التخريب والقتل. ينهلون من ذات الظلاميّة ويتساوون في لاإنسانيتهم. أمّا هزيمتهم فلن تكون متاحةً إلّا عبر جهدٍ جماعيٍّ يحاربهم على جميع جبهات المواجهة العسكريّة والأمنيّة والسياسيّة والثقافيّة.
تلك حقيقةٌ يجب أن تدقّ عالياً في كلّ دول مفاوضات فيينا، الّتي التأم ممثّلوها على وقع مأساة باريس. بين هذه الدول من أسهمت في إيجاد “داعش” عبر سياساتها القاصرة والمصالحية. بينها من شجّعت الإرهاب من خلال تقوية عصاباته سعياً وراء دورٍ أو مكتسب. وبينها من أتاحت بعجزها ولامبالاتها لـ”داعش” ومثيلاته التمدّد والانتشار.
غاب المنطق طويلاً عن سياسات كثيرٍ من هذه الدول. لكنّ تعاظم الخطر يفرض أن تتّعظ ممّا جرى في باريس وبيروت وأنقرة، وممّا يحدث في سورية والعراق وغيرهما، فتتوافق على خطواتٍ تُطلق حرباً حقيقيّةً على الإرهاب وأسبابه. حول طاولة مفاوضات فيينا دولٌ قادرةٌ على تغيير مسار الأحداث في معاقل الإرهاب، وبالتالي محاصرة انتشاره خطراً أمنيّاً وسُمّاً فكريّاً على امتداد العالم.
طريق الحل معروفةٌ. لكنّ إرادته غائبة.
في العراق، أقصر الطرق لدحر “داعش” تمرّ عبر إصلاحٍ سياسيٍّ يُنهي التمييز والإقصاء ويحشد مكونّات المجتمع كلّها حول هويةٍ وطنيةٍ جامعةٍ يُحارَب الإرهاب والقهر والتخلّف تحت سقفها. وتلك طريقٌ تملك الحكومة العراقيّة معظم أدوات تلبيتها، ومن دون الدرجة العالية من التوافقات الدوليّة والإقليميّة اللازمة لحلّ الأزمة السورية.
في سورية، تحتاج إيران أن تكفّ عن عبثيّتها، وأن تُدرك روسيا أنّ هزيمة الإرهاب شرطها رحيل الأسد في إطار عمليةٍ سياسيةٍ تدعمها الولايات المتحدة والسعودية، ويضمن حفظها مؤسّسات الدولة وحقوق جميع المواطنين السوريين وهويّة دولتهم المدنيّة التزامٌ دوليٌّ إقليميّ.
وبالتوازي مع ذلك، يجب وقف حرب الأسد على شعبه في إطار وقفٍ لإطلاق النار، إلّا ضدّ “داعش” وغيره من العصابات الإرهابيّة الّتي ترفض إلقاء السلاح.
قد تبدو التوافقات اللازمة لتحقيق ذلك بين دول مفاوضات فيينا مستحيلةً اليوم. وهي كذلك في ضوء تدنّي كلفة الحرب على الكثير من رعاتها الدوليّين والإقليميّين. لكنّ هذه الكلفة سترتفع حتماً كلّما طال الضياع والدمار اللذان يقوّيان الإرهاب واليأس الرافد له. حينذاك، سيفرض الحلّ نفسه، وإن كان سيأتي متأخّراً جدّاً.
فالعدوّ واحد. هو الجهل والظلاميّة المتمثّلان في إرهاب العصابات وداعميه، وفي الاستبداد والقهر والسياسات الإقصائيّة الّتي تمارسها أنظمةٌ ومساندوها. كلٌّ منهم يتغذّى على الآخر ويتفاقم في ظلّ الفشل في التصدّي لهم. وكلٌّ منهم خطرٌ على الأبرياء والأمن في المنطقة وخارجها.
الحلّ في مواجهةٍ شاملةٍ مع جميع أسباب الانهيار المقيت الّذي يدمّر سورية منذ خمس سنوات، والّذي طال باريس مساء الجمعة وبيروت قبلها بساعات. وإلى أن تدرك دول لقاءات فيينا ذلك، ستتّسع ساحات الموت في الشرق الأوسط، وسيظلّ الإرهاب خطراً يضرب الأبرياء حيثما وكيفما استطاع.

شاهد أيضاً

تشغيل أول محطة للطاقة الشمسية للمركز الدولي لضوء السنكروترون

بدأ المركز الدولي لضوء السنكروترون للعلوم التجريبة وتطبيقاتها في الشرق الأوسط (سيسامي) تشغيل أول محطة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *