الغربة … ما لها وما عليها

أهي غربة الروح أم غربة الجسد ، ام كليهما معا، نعم انها الغربه التي واجهها كل انسان من بداية خروجه خارج حدود وطنه، وتركه لأهله ،وذكرياته ،وبيته ،واصحابه،ومحيطه …. الوطن وما ادراك ما الوطن ،هو انتماء وهو ليس كما يعرفه البعض بأنه تراب أو سماء أو هواء ،فكل هذه الأمور أشياء ماديه محسوسه والوطن أعظم من ذلك بكثير ،أعظم من هذه الماديات والمحسوسات.

من منا لم يكتوي بنار حرقة بعده عن أهله وعن وطنه،من منا لم يذرف الدموع ،علها تخمد ببرودتها حرقة الاشتياق حينما يشتدان بأروقة القلب ،أو تذيب بحرارتها صقيع الوحشه الموحشه وسط حشد كبير من الذكريات لملامح الوجوه وروائح الأمكنه.

سيواجه المغترب ومنذ اليوم الأول تجربه وامتحان قاسي ،مشاعر لا تترجم الا عن طريق دموع تنهمر بسخاء ،سيفاجأ بثمة كلمات تختنق بسماعه صوتا يشبه أصوات احبته،أو يرى ملامح تشبه هيئتهم أو وجوههم،فالمشاعر واحده عند المغنربين في أي مكان و قلائل جدا من المغتربين اختاروا غربتهم بل هي فرضت عليهم ،فالانسان كتله من لحم ودم ،مشاعر وأحاسيس وعواطف يتأثر سلبا وايجابا بمجريات حياته. انها تجربة  الغربه المريره وما لها من انعكاسات وتأثيرات عميقه على الروح والجسد والفكر في نفسية الفرد،فالذين يسافرون يتغيرون ،تتغير نظرتهم للحياه،وتتغير فكرتهم عن الرفاهيه وعن معنى الراحه.

من تأثيرات الاغتراب الروحيه والفكريه والاجتماعيه على الفرد، هي حرمان الوطن من طاقات ماهره وأيدي عامله، وخبرات علميه مؤهله، وعقول نيره متعلمعه ومثقفه من علماء وباحثين، وكثير من الاختصاصات المهمه التي تهاجر الى الخارج ولا يستفيد منها الوطن،مما يؤدي الى افراغ الوطن من هذه الامكانيات التي لها عظيم الأثر في تقدمه وتطوره ونهضته،ولا ننسى الأجيال الجديده البعيده عن جذورها وقضاياها،وهذا أمرمهم يختلف من فرد الى فرد آخر ومن مجموعه الى أخرى حسب تماسكها في الخارج.

أما الجوانب الايجابيه للاغتراب ففي مقدمتها الاضطلاع على ثقافات  ومجتمعات جديده، وعادات وتقاليد ولغه جديده لما لهم الأثر في التعرف على المجتمع الجديد والتواصل مع أبناءه ،فالقيم الساميه التي يتعلمها الفرد من احترام الانسان وحرية الدين ،عدم الخوف من الحاكم،الشعور بالأمان والثقه،حرية التعبير “التي يفتقدها الفرد أصلا في بلد المنشأ”،احترام المسنسين وذوي الاحتياجات الخاصه دون تمييز بين ذكر أو أنثى،حرية الرأي والرأي الآخر ،توفير الرعايه الصحيه والحياه السعيده للأطفال ،القوانين التي تصدر لتسهيل عملية الاندماج مع المجتمعات ،سهوالة التنقل داخل وخارج المدن ،ولا ننسى الفضل الكبير للغربه ولاألم ، لما لهما من تنشيط وتحفيز الفرد قي تفجير الطاقات الابداعيه من بحث وكتابه وكذلك الحث على النجاح والابداع لاثبات ذاته في غربته.

على الحكومات والمسؤولين أن يتنبهوا الى موضوع هجرة العقول والكفاءات واستنزاف الطاقات البشريه الهامه ،الذين لا يبالون لهجرتهم بل غالبا ما  يكونون هم المسبب الرئيسي لهذه الهجره، من ملاحقات سياسيه وفكريه، بلادنا لا نتهض الا بسواعد ابناءها المتعلمين الذين يختارون الهجره لما يواجهونه من انعدام الفرص وتفضيل غيرهم من اصحاب المحسوبيات والواسطه (أحيانا ما يكونون من حاملي الشهادات المدفوعه سلفا) لما يشعرون به من ظلم وعدم المساواه ،فيرفضون البقاء ويفضلون الهجره بكل مرارتها والسير الى المجهول وان كان فيه بصيص أمل ضعيف لنيل حقهم وغالبا ما يتوفر هذا في بلاد الغربه بعد كد وعناء شديدين وصبر على ضروف صعبه في بداية مشوارهم بغرض تحسين حياتهم، والشعور أن هناك فرص لهم بالتقدم والترفيع كل حسب اجتهاده وجهده . العمل ثم العلم والاجتهاد هم أساس نجاح المغترب،ولكن ما ينقصنا دائما في الغربه هو هذا الوطن الذي يسكننا ويسكن تفاصيلنا اليوميه، هو الحنين والاشتياق الى تفاصيل جميله بسيطه ل ننساها تعودنا عليها في صغرنا ، فالجمال يكمن في البساطه .

جذورنا ، أصالتنا وحضارتنا لا غنى لنا عنها، مهما عشنا مرهفين،ومهما تقدمت بنا السنين ،فهي السند القوي الذي يعطينا الثبات والثقه والذي يقوينا دائما في مواجهة الصعاب ،فالعوده الى الوطن هي مطافنا الآخير.

الناس تحسدك دائما على شئ لا يستحق الحسد،لأن متاعهم هو سقوط متاعك،حتى على الغربه يحسدونك،كأنما التشرد مكسب وعليك أن تدفع ضريبته نقدا وحقدا ( احلام مستغانمي من  رواية عابر سبيل ) .

أختم بما خطته ريشة الشاعر السعودي ابن معصوم المدني حينما قال :

هل يعلم الصحب أني بعد فرقتهم …………. أبيت أرعى نجوم الليل سهرانا

أقضي الزمان ولا أقضي به وطرا…….. وأقطع الدهر أشواقا وأشجانا

ولا قريب اذا اصبحت في حزن……..ان الغريب حزين حيثما كان.

 ختام الربضي – فيينا
pinguineninsel@hotmail.com

شاهد أيضاً

الاستثمار، الرهان الخاسر!

جميعنا اصبح يعي و يدرك أن تحقيق نسب نمو وخلق فرص عمل وتحريك الدورة الاقتصادية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *