الرفيد …

كنت وما زلت أتوق الى الذهاب الى الرفيد ، قرية الأجداد ومسقط رأس كبير العائلة رحمه الله.

عندما كنا ندخل الشارع الترابي المؤدي الى مزرعة العم “أبو مالك” ، أُخرج رأسي من نافذة السيارة ، لأتنشق عطر الارض وأشجار الزيتون وعبق حوران .

نصل المزرعة فاذا بالاحباب يركضون لاستقبالنا بحفاوة وحب وعناق …مؤلم أن أقول إنه لأول مرة أحسست بعناق القريب المحب كان هناك ، الذي يغمرك بين يديه ويشمك ويقول : يا هلا بالحبايب وريحة الحبايب ..

بعد ذلك كنت أذهب الى سفح الجبل المطل على جبال ووديان حوران …درعا بلدة الشجعان وعمر بجانبي يشرح لي بالتفصيل غير الممل عن كل منطقة ، فقد عشق بلدته منذ الصغر ، وذكريات طفولته التي عاشها هناك محفورة في ذاكرته، عشق الرفيد وعشقته أنا …

يأتي وقت الغداء ، فتأتينا الحاجة علياء وام مالك بأطباق شمالية: المحمر ، الكبة الاردنية وأحيانا طبقي المفضل المكمورة.. بزيت زيتون الأرض المعتق … ياه ما ألذها من مأكولات ، صنعت بالحب والشوق … صدقوني لطعامهم نكهةٌ مختلفة …

بعد الغداء  يحضر الشاي ونذهب للجلوس تحت شجرة البلوط العملاقة لتظلنا بظلال الأباء والاجداد وتذكرنا دائماً بقيمة الأرض .

نشرب الشاي الأحمر الصافي، المصنوع بماء البئر ، بئر مياه المطر النقية التي تجمع خلال فصل الشتاء ، كنت أرى لونه مميز لا يوازيه صفاء … مضاف اليه نعنع زرع في تلك التربة الطيبة ، طيبة أهلها ليعطي نكهة ورائحة أكثر من رائعة ، طبعا هذا كله في جو تطغى عليه المحبة والضحكات ولعب الأطفال وصوت طير الحجل الذي لم أعرفه قبل الرفيد .

 تعلم العمة “أم فاروق” بزيارتنا فتأتي من منزلها مشياً على الاقدام لترانا ، تبدأ بالتأهيل والترحاب من على بعد ،  تفتح ذراعيها واسعتين لعناقنا ، معانقتها تستغرق عدة دقائق … أحلى الدقائق ، تشمنا بعمق وتكرر يا هلا بالحبايب…

حديثهم لا يمل ، كله محبة واعجاب ، نظرات لماعه فيها وميض غريب …رائع .

يسرقنا الوقت ويطل القمر بنوره الأبيض ليضيء القرية ، وتعلو أصوات حشرات الليل ، وبريق المحبة لا يخبو ، لكن لا بد من الوداع فمشاغل المدينة لا ترحم ، أودعهم و كأن قطعة من قلبي سأتركها هناك ، فكيف لا وأنا ألف بشالٍ كبيرٍ من مشاعر الحب والاعجاب ، ما أحلى تلك النفوس الطيبة البريئة وما أصعب فراقها…

ان خُيّرتُ أن أسكن في مكان فوق الأرض ..سأسكن الرفيد ، وان أوصيت أين أهجع تحتها سأختار الرفيد .. فمن يغمرك بالحب فوقها لن يتخلى عنك تحتها.

 أحبكم وأتوق شوقاً اليكم …أحبتي
ديما الكردي – واشنطن. 

شاهد أيضاً

الاستثمار، الرهان الخاسر!

جميعنا اصبح يعي و يدرك أن تحقيق نسب نمو وخلق فرص عمل وتحريك الدورة الاقتصادية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *