ثلاث خطوات لاحتواء "داعش"

يظهر من نتائج التحقيقات في هجمات باريس الإرهابية، وسواها من العمليات أو المحاولات الفاشلة في أكثر من دولة، أن تنامي نفوذ الجماعات الإرهابية ارتبط بثلاثة عناصر رئيسة: الأول، حدود جغرافية مع سورية يسهل التسلل منها إلى المناطق التي تسيطر عليها هذه الجماعات، خاصة تنظيم “داعش”. فالتحقيقات تشير إلى أن بعض المشاركين في هجمات باريس ذهبوا إلى سورية عن طريق الحدود التركية، وعادوا إلى فرنسا من نفس الطريق.
الأمر لا يقتصر على بضعة أشخاص يحملون الجنسية الفرنسية، بل الآلاف من الشبان العرب والغربيين الذين قصدوا سورية خلال السنوات الخمس الماضية. الحكومة التركية بدأت في الأشهر القليلة الماضية حملات مكثفة لسد المنافذ الحدودية في وجه “الجهاديين”، لكن مئات القصص التي وثقتها وسائل إعلام وأجهزة استخبارية أجنبية، تؤكد بما لا يدع مجالا للشك، أن الحدود التركية كانت بوابة المقاتلين الأجانب الذين التحقوا بتنظيم “داعش”. ويمكن في هذا الصدد الإشارة إلى عشرات بل مئات الشبان الأردنيين المنخرطين في صفوف “داعش” و”النصرة”، الذين توجهوا إلى تركيا، ومن هناك أبلغوا ذويهم بنيتهم الالتحاق بالتنظيمات الإرهابية في سورية.
العنصر الثاني، سيطرة “داعش” على مدينة الرقة، التي تحولت مع مرور الزمن إلى نقطة جذب للمقاتلين من كل أنحاء العالم؛ فيها يتلقون التدريب والتوجيهات لتنفيذ عمليات إرهابية في الخارج. وتكشف تحقيقات باريس أن العقل المدبر وأبرز المنفذين، سبق لهم أن كانوا في الرقة. واللافت هنا أن المدينة السورية تحتل مكانة عملياتية عند التنظيم تفوق مكانة الموصل العراقية التي تعد بمثابة عاصمة لتنظيم “الدولة الإسلامية”. ورغم قصف قوات التحالف الدولي، ولاحقا روسيا، لقواعد التنظيم في الرقة، إلا أنها ما تزال قادرة على تخريج أفواج من الإرهابيين.
العنصر الثالث، الاعتماد شبه المطلق من طرف التنظيم الإرهابي على وسائل التواصل الإلكتروني؛ الـ”سوشل ميديا”، في تجنيد أعضاء جدد. لقد كان الانطباع حتى وقت قريب أن “داعش” يعتمد على المساجد في اجتذاب عناصره، لكن عشرات القصص الموثقة، خاصة في بلدان أوروبية، تثبت أن النسبة الأكبر من المنخرطين في صفوف “داعش” لم يكونوا من رواد المساجد. وربما تنطبق الحال على الكثير من الشبان العرب والأردنيين.
على سبيل المثال، المتورطون في هجمات باريس جلهم من أصحاب السوابق الجنائية. وللمفارقة، فإن أحدهم ما يزال شريكا في مقهى يقدم المشروبات الكحولية في ضواحي باريس. ليس لدينا دراسة موثقة لحالات أردنية، لكن أعتقد أن أي مراجعة متعمقة لملفات عينة مختارة منهم، ستُظهر أن أثر الـ”سوشل ميديا” يفوق دور المساجد في التجنيد.
تركيا قررت أخيرا ضبط حدودها، وتتعاون مع الولايات المتحدة الأميركية لاستكمال سيطرتها على بعض المناطق الوعرة. وفي الأونة الأخيرة، تمكنت من ضبط معظم الأشخاص الذين قصدوا تركيا في طريقهم إلى سورية. وبينت التحقيقات الفرنسية أن السلطات التركية كانت قد أبلغت باريس عن عودة أحد المشاركين في الهجمات الأخيرة.
تبقى الرقة؛ قدرتها على الاستقطاب ستتراجع بشكل كبير إذا ما سدت الحدود التركية في وجه المجندين. لكن هناك بدائل يمكن الاعتماد عليها؛ فما دامت المدينة تحت سيطرة التنظيم، ستبقى ملاذا للإرهابيين. ولذلك، لا بد من وضع نهاية حاسمة لسيطرة “داعش” على الرقة، حتى تتوقف عمليات تفريخ المزيد من الإرهابيين.
التحدي الأكبر هو في السيطرة على وسائل التواصل الاجتماعي والقنوات الإلكترونية. وهي عملية بالغة الصعوبة، لكنها ليست مستحيلة. وبمقدور الخبراء الذين اخترعوا هذه الوسائل، أن يجدوا طرقا فعالة لمراقبتها.
فهد الخيطان – الغد 

شاهد أيضاً

تشغيل أول محطة للطاقة الشمسية للمركز الدولي لضوء السنكروترون

بدأ المركز الدولي لضوء السنكروترون للعلوم التجريبة وتطبيقاتها في الشرق الأوسط (سيسامي) تشغيل أول محطة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *