أمراضنا العربية..

إعجاب عربي شديد لقيه تعيين وزير دفاع كندي جديد. ومصدر الغزل بالقرار ليس العملية الديمقراطية برمتها، بل هو تعيين شخص من أصول هندية في موقع حساس، وبما يعبر، ربما، عن رغبة عربية ضمنية في نفض كل عناصر الفرقة والخلاف؛ وعن شوق لمواطنة ما تزال عقيمة إذ تشوبها وتشوهها مختلف الفوارق.
للديمقراطية أصول نحن لا نتقنها. والنموذج اليوم جاء من كندا، بتعيين هارجيت سجان وزيراً للدفاع، وهو الذي ولد وعاش في الهند، قبل حصوله على الجنسية الكندية، ومن ثم تسلمه موقعا حساسا. فالكنديون لم يشككوا في ولائه، ولم يتحدثوا عن أصوله، ولم يحذروا من اطلاعه على الأسرار الأهم والأخطر للبلد. هذا هو العامل الديمقراطي الذي نفتقده، وهذه هي التقاليد التي فقدناها على مر الزمن.
في كندا عنوان الولاء والمواطنة هو خدمة البلد، بغض النظر عن الأصول والعرق؛ فلا فضل لطرف على آخر إلا بحجم الإسهام في بناء البلد.
اليوم، وبالنظر إلى كل بلد عربي على حدة، نجد أن العنوان هو الخلاف لا الاختلاف، ورفض الآخر بدلا من التعايش معه. نحن مجتمعات مزّقها الساسة، حتى أحالوا الأوطان مسارح للفوضى، وإن كانت هناك فئة من المجتمع ما تزال تجهد في محاولات لم تنجح لتوحيد الصفوف وإعادة اللحمة الوطنية!
أين المشكلة؛ هل هي في المجتمعات أم في الأنظمة والساسة؟
الكل شركاء في الحال الصعبة التي بلغتها المجتمعات العربية! فوعي هذه المجتمعات لم يكن بالقدر الكافي لمواجهة أجندات السياسيين الباحثين عن المكتسبات الخاصة، والتصدي لها. وقد ساهمت في ذلك الظروف الموضوعية التي صنعها أصحاب المصالح والأنظمة على مدى عقود؛ عبر تغييب الديمقراطية الحقيقية، لدرجة صارت معها المجتمعات مأزومة أكثر من السياسيين.
غياب العمل السياسي الحقيقي، وتغييب حقوق الإنسان، وضعف المنظومة التشريعية التي تعطي الفرد الشعور بالأمان والانتماء، وأهم من ذلك الوعود الكاذبة بإقامة أنظمة مدنية في الدول العربية… كل هذا دفع الفرد إلى البحث عن حام له، سواء كان الطائفة أو العرق أو حتى العشيرة، وغيرها؛ فكان أن قُسّمت المجتمعات لأصغر حلقة، بما انعكس في النهاية على فكرة المواطنة التي لا تقوم إلا بالتأكيد على شقّي الحقوق والواجبات.
محزنة أحوالنا العربية. والأسوأ أنه لا يبدو من أمل، في المدى المنظور، بخروج الدول العربية مجتمعة من أزمتها. فأوضاعها اليوم أفضل ما يمكن فقط لأن تكون بيئة خصبة للتطرف بمختلف أشكاله، وبحيث يبدو أمامها الكثير من السنوات الصعبة. فيما يبقى حلم الاستقرار وبناء الدول الديمقراطية حلما في أذهان المواطن الذي يعاني هو الآخر من انفصام في السلوك؛ ففي حين تغويه فكرة رئيس وزراء شاب (كندي)، ترى الشباب عندنا مهمشين مغيبين! وترى هذا المواطن حين يقف عند صندوق الاقتراع يلغي من عقله المسؤول والسياسي الذي يحلم به، منحازا لمرشح الطائفة والعشيرة والقرابة، وبما يجعله هو ذاته شريكاً في خلق واقع غير الذي يحلم به! هذا مع استبعادنا احتمالية التدخلات من هنا وهناك في محتويات الصندوق، وبالتالي مخرجاته، كما هو متوقع بداهة في العالم العربي.
ستبقى عينا المواطن العربي تبرقان توقاً إلى النموذج الكندي الأحدث، وشوقاً إلى تجسيده في عالمنا، ولن يتوقف عن الشكوى من ضياع الفرص لغيره. والسبب العميق بصراحة، هو غياب معايير العدالة وتكافؤ الفرص، ليبقى البون بين الحلم العربي والواقع شاسعا جداً.
جمانه غنيمات – الغد 

شاهد أيضاً

تشغيل أول محطة للطاقة الشمسية للمركز الدولي لضوء السنكروترون

بدأ المركز الدولي لضوء السنكروترون للعلوم التجريبة وتطبيقاتها في الشرق الأوسط (سيسامي) تشغيل أول محطة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *