المغترب – الدجاجة التي لا تبيض إلّا ذهبا

لا يوجد شيء أمتع من السفر، حتى قراءة قصص الرحالة تجعلك تعيش في الرحلة ذاتها وبنفس المتعة التي تذوقها وعاش تفاصيلها ذلك الرحال، فهذا النوع من الكتب التي أكثر ما ينكب عليها البعض، أمثال كتب ابن بطوطة وابن جُبير الاندلسي والبغدادي وغيرهم.
الغربة شيء، والسفر لأجل المتعة شيء مختلف تماماً، والفرق بينها شاسع ولا يربطهما غير السفر، أحدهم يسافر ليتمتع والأخر يسافر للعناء والتعب والشقاء، فلا يوجد في ذهنه غير افواه اطفاله المفتوحة للقمة العيش او شاب أعزب يعرف ان الغربة هي الحل الوحيد لتكوين اسرة.
في الغالب النظرة للمغترب على انه الدجاجة التي تبيض ذهباً، فيه تحامل عليه، ونخص بالذكر هنا حكومتنا (والتي لم تعد رشيدة مع ابناءها المغتربين)، الحكومة لا تتوانى عن أي جهد لبذله في حلب هذه البقرة.
الغربة هي البعد عن الوطن، والبعد عن الوطن هو مرارة، فراق تراب الوطن يشعرنا بالفراغ الشديد وكأن الواحد منا ذاهب الى المجهول من غير الوطن، اما غربة الاهل والأحبة من الجيران والأصدقاء، فهذه لا يعرفها غير المغترب نفسه ولن يعرف مشاعره غيره.
في معظم دول العالم الراقي، لو فرّ مجرم من وجه العدالة خارج البلاد لخمسة عشر عاماً تسقط عنه القضية، وفي اليابان لو فرّ حتى داخل اليابان لنفس المدة المذكورة ايضاً تسقط عنه القضية، يبدو ان الأجانب استوعبوا كثيراً ماذا يعني ان تكون خارج وطنك وقدر المعاناة النفسية التي يعيشها الانسان المُبعد لسبب ما.
في بلدنا الوضع مختلف تماماً, المغترب محروم من كل شيء حتى من بسمة اثناء استقباله في المطارات او على الحدود, بل يحدق بك الموظف ملياً كي يخمن نسبة خيبة الامل التي يوقعك بها, يبدأ (تفتيش) الامتعة, والتفتيش تعني البحث عن شيء تم اخفاءه, وهكذا يتم معاملتنا, يجمرك نشوة السعادة بالعودة, تجمرك فرحة الطفل بابية وتجمرك مشاعر الزوجة بلقاء زوجها وتجمرك لهفة الام بولدها, بالكاد المغترب حتى يوفر قرشاً يشتري به فرحة اهلة حتى يقتلوها له, كما لو كان هو المسئول عن تخمة العدد الهائل للموظفين في الدولة ليفرض عليه دفع مرتباتهم من عرق غربته.
أعيش في اليابان قرابة الثلاثين عام، والتي لا يوجد بها أي مصدر طبيعي يثري الميزانية مثل البترول او البوتاس او فوسفات وغيرة، ولا اذكر أنى دفعت جمرك على الحدود اليابانية لأي شيء او هدية احضرتها خلال الثلاثين عام ولو لمرة واحدة.
نرسل هدايا لأهلنا في المناسبات واحياناً في غير المناسبات عبر البريد، بعضها يصل والبعض الاخر يضل في طريقه إليهم، أرسلت طروداً لعنوان مدينة الرمثا فلم يصل منها ولو طرد واحد وكذلك لمخيم البقعة والمفرق، ولم يصل غير الرسائل والمفرق حصل ان مرة واحدة وصل طرد يحتوي على بعض الزهور البلاستيكية في أواخر الثمانينيات وتم جمركتها بأربعين دينار لزهور لا تزيد قيمتها عن بضعة دولارات، وما زلت مذهول لهذا النسبة الضخمة لجمركة زهور بلاستيكية، مدينة العقبة هي الوحيدة التي تصل معظم الطرود اليها والمعاملة في بريدها غاية في التحضر والرقي مع ذوينا.
معاملة ذوينا سيئة للغاية في البريد ومكاتب جماركه في عمان على وجه الخصوص, وأول ما يستقبل الموظف به أهلنا: انتم من يخرب اقتصاد البلد, فهل هديه ببضعه دولارات تخرب اقتصاد البلد، وهذه العبارة سمعوها عدة مرات مما يعني انه تم تلقين الموظف ليكون فجاً معهم, وهكذا اصبح ذوينا هم من يخرب اقتصاد البلد, يبدو انه هو ومديره هم من يثرون ميزانية الدولة بتعبهم وشقاهم, وهو لا يدري ان المليارات التي يصبها المغتربون هي سيولة وشريان حياة البلد, في عام 2014 حول المغتربون الأردنيون اكثر من اربعة مليارات دولار ناهيكم عما يدفعه على الحدود من جمارك ورسوم اشكال والوان, لتكون في النهاية مرتب هذا الموظف ومرتب مديره حتى مرتب وزيره, فالدنيا لا تمطر ذهبا, فمصادر ميزانية البلد محدودة ومعروفة والمغتربون هم اكثر من يساهم بها, ليلقى ذويهم هذه المعاملة المُهينة على أبواب البريد, قديماً قال جلالة الملك الحسين بن طلال (رحمه الله): الانسان اغلى ما نملك, وكان حينها لا يوجد دخل مهم للبلد كالذي يحوله المغترب, فقدره خير تقدير.
سألت الكثير من الأصدقاء الأجانب عما إذا كانت هداياهم تصل لأهلهم ام لا، جميع من هم من أوروبا وامريكا وكوريا اجابوا بالإيجاب وعدم فقدان أي منها، واما من هم من كمبوديا ولاوس والهند ودول افريقية، اجابوا بان معظمها لا يصل، فالتسيب ليس في اليابان، بل في بريدنا، حتى انهم يجمعون بعض الطرود لعدة شهور في عمان حتى يصبح عددها كبير ليستحق عليها جمارك بلا تقدير لوقت الهدية وظروفها وبلا شفقة لأن لهم ولد يسُك عملة في الخارج، حتى أصبحت غربتنا غربتين.
أبنائنا محرومون من التعليم الجامعي، الدولة تتحكم بنسبة 78% من مقاعد الجامعات لتحرم منها من ساهم في ميزانية الدولة والتي منها ميزانيات هذه الجامعات، ابنتي تم الموافقة عليها لدخول الجامعة الأردنية وبعد ثلاثة أيام اتصلوا بها ليخبروها بان مقعدها لم يعد متاحا لها، وكأن غيرها ساهم أهلها في التكاليف الجامعية أكثر مما ساهم بها المغتربون حتى ينتزع من ابنتي المقعد لأجد نفسي مضطراً لتعليمها على حسابي الخاص وهذا إصرار على زيادة معاناة المغتربين!!!
حتى حق تمثيل المغترب في البرلمان مفقود، وكم استغرب ان من تكون معظم مرتباتهم من غربة وتعب وشقاء هذا المغترب ويحرمه من ممارسة حقه في الانتخابات والترشح، ومقاعد برلمانية محددة تمثلهم يتنافسون عليها، بالإضافة إلى انشاء مديرية المغتربين تتكون من المغتربين أنفسهم للدفاع عن حقوقهم والمساهمة في رعاية استثماراتهم في البلد.
وكم اتعجب من تهليلهم ورقصهم للمستثمر الأجنبي والإعفاءات الجمركية وميزات كثيرة يحصل عليها هذا المستثمر الأجنبي وفي نهاية المطاف يهرب أرباحه الى الخارج ولا تكون سيولة في البلد لتعين الاقتصاد، بينها هذا المغلوب على امره المغترب مسلوب من كل شيء حتى الكرامة.

ابن الجالية الاردنية في اليابان:
محمـود المحمـود
أوساكا – اليابان

شاهد أيضاً

الاستثمار، الرهان الخاسر!

جميعنا اصبح يعي و يدرك أن تحقيق نسب نمو وخلق فرص عمل وتحريك الدورة الاقتصادية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *