الارتقاء بالمعلم ارتقاء بالتعليم

تتقدم البلدان وتتميز من خلال التعليم، ولذلك تنفق ميزانيات ضخمة على التعليم بكافة مكوناته، وتضع الخطط الإستراتيجية والمشروعات التطويرية المستقبلية لكي يحافظ التعليم على التقدم والتميز. والحديث عن التعليم يطول، لكثرة العوامل المؤثرة فيه، ولكني سأتحدث عن المعلم الذي يعتبر حلقة الوصل بين الطالب والمنهاج، وكذلك بين الأسرة والمدرسة، كونَه العين التي يُبصر بها الآباء لمعرفة مستويات أبنائهم، كما أنه عين الوزارة في الميدان من خلال تطبيق المنهاج وتقويمه ؛ وهو بذلك العامل المشترك والأهم الذي يستقي منه الجميع بياناتهم.
وهنا يحضرني نموذجان عن درجة الاهتمام التي توليها بعض الدول لدور المعلم وكيفية الارتقاء به: الأول من فنلندا حيث أن جميع المعلمين حاصلون على شهادة الماجستير، ويشترط لكي تكون معلماً أن تكون حائزاً على هذه الدرجة التعليمية، كما أن لكل فصل (3) معلمين اثنين منهم للتعليم والإرشاد والثالث للمتابعة، والمعلم قد يستمر (7) سنوات في تعليم الطلبة أنفسهم، كما أن للمعلم كامل الحق والحرية في اختيار المقرر، من إضافةٍ وحذفٍ للمواضيع ، ولذلك تعتبر فنلندا من الدول المتميزة والمتقدمة في مجال التعليم على مستوى العالم. والنموذج الثاني: من كوريا الجنوبية حيث عملت وزارة التربية على رفع كفاءة الكادر التدريسي لتوفير معلمين بمواصفات خاصة، يعملون في ظروف جيدة، الأمر الذي أسهم في توفير نموذجٍ يُحتذى، يقود الدولة إلى التطور المستقبلي، وبذلك أصبحت كوريا سابع أكبر اقتصاد بالعالم، وأصبح طلبتها على مدار السنوات الأخيرة يحققون مستويات متقدمة في الاختبارات الدولية.
وكما هو ملاحظ من النموذجين أن المعلم هو مؤشر التقدم والارتقاء في كلا البلدين؛ ولذلك إذا ما أردنا للتعلم أن يتقدم ويرتقي، وإذا ما أردنا للطلبة تحقيق مستويات متقدمة في التعليم؛ فإننا بحاجة إلى الاهتمام بصناعة معلم المستقبل، وإعداده أكاديمياً وتربوياً ومهنياً، وذلك بوضع الخطط الإستراتيجية طويلة الأمد من أجل البناء في المعلم والاستثمار فيه على النحو الذي يحقق رفعة وتقدم التعليم. وحتى يتحقق الارتقاء بدور المعلم ، لا بد لوزارة التربية من التواصل وبشكل مستمر مع الجامعات لكي تعيد النظر في برامجها وخططها التدريسية وأساليبها التربوية وطرق إعدادها لمعلم المستقبل، ليكون على قدر من الكفاءة والمهارة اللازمة لممارسة مهنة التعليم، ولا بد أيضاً من تفعيل القوانين الرادعة التي تحفظ للمعلم حقه، وتمنحه الصلاحيات ، لتعود هيبته في المجتمع، وليقر الجميع بأهمية دور المعلم في بناء المجتمع والتقدم به إلى الأمام. وكذلك لا بد أن يستمر دور وزارة التربية في تدريب المعلمين أثناء الخدمة على الاستراتيجيات الحديثة في التدريس والتقويم، وعقد ورش العمل والندوات لهم ، لتأهيلهم بشكل دائم ومستمر. ولا ننسى دعم المعلم اقتصادياً، لما له من أثر نفسي فعّال في رفع دافعيته وزيادة حماسه وإقباله على التعليم بشكل أفضل. كما ينبغي للوزارة عقد المزيد من الشراكات مع نقابة المعلمين كونها بيت الخبرة والاختصاص في مجال التعليم من خلال الاستماع لاقتراحاتهم والترحيب بها لخلق جو من الإصلاح المستمر والانفتاح لأي رأي جديد أو لمحةٍ تطويرية، وتنظيم المزيد من اللقاءات والاجتماعات مع النقابة لتحييد الخلافات والاتفاق على الأطر العامة التي من شانها أن تسهم في رفع سوية المعلم في الميدان.
إن الارتقاء بالمعلم والاهتمام به ودعمه وتأهيله واجب وطني لما له من انعكاسات على المجتمع، وينبغي استمرار هذا الدور وأن يتكاتف الجميع لتحقيقه، لأنه بتقدم المعلم يتحقق التقدم في جميع الجوانب الشخصية للطالب، وبتقدم الطالب يرتقي مستوى التعليم في المجتمع فينمو ويزدهر ويتقدم، ويصبح يتبوأ مراتب متقدمة على مستوى العالم في مجال التعليم.

د.عثمان ناصر منصور
أكاديمي في جامعة حائل – المملكة العربية السعودية

شاهد أيضاً

الاستثمار، الرهان الخاسر!

جميعنا اصبح يعي و يدرك أن تحقيق نسب نمو وخلق فرص عمل وتحريك الدورة الاقتصادية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *