أيام في حياة دبلوماسي أردني … الرواشدة : سفير البوسنة لدى الكويت (2)

في الحلقة الثانية والاخيرة، يواصل الديبلوماسي ياسين الرواشدة حديث الماضي وذكرياته ل”غربةjo” :

– لماذا اعتذر لسفير دولة الكويت في يوغسلافيا ؟ 
– قصة القنبلة التي انفجرت أمام منزل الرواشدة ؟
– كيف أصبح الرواشدة سفيراً للبوسنة في الكويت ؟

يكمل الرواشدة حديثه الشيق ل”غربة jo” بالقول “حدث مرة ان دعاني في بداية الثمانينات سفير دولة الكويت في يوغسلافيا الاستاذ طلعت الغصين الى العشاء في منزلة  وفاجاني ان طلب الي أن اعمل معه في السفارة  قائلا إن هناك فراغ في الترجمة والعلاقات العامه وان الموظفين المعنيين غير مؤهلين للمهمه .. لقد فوجيء  السفير  باعتذاري عن القيام بالمهمه  حيث بررت ذلك انني اصدر مجلة  تشترك فيها ضمن مؤسسات اخرى  السفارات العربية  وهذا الدخل المريح  يجعلني حرا طليقا  ويعطيني الحيادية  والحرية التي هي مهمة بالنسبة لي خصوصا وهناك بعض المواد في كلية الطب التي لا تزال بالانتظار لانهاء  الدراسة فيها”.

لكن السفير فند كل ملاحظة للرواشدة وتجاوب مع كل ملاحظاته قائلا : لن تكون ملزما بدوام رسمي معين كما انه يمكنك  الاستمرار في اصدار المجله بل ان السفارة الكويتية ستستمر في الاشتراك بها ، اما بالنسبة للدراسة فانه بالامكان ترتيب برامجك لك تستطيع تعويض الغياب خلال تقديم الامتحانات – القليلة  المتبقية  – بشكل مسبق لا يؤثر عملي وان السفير سيخصص موظفا اخر ليكون مساعدا لي  لاستطيع القيام بكفاءة بالقيام بالمهمات القادمه.

ويستمر الرواشدة بسرده للأحداث : طلبت من السفير أن يعطيني بعض الوقت للتفكير واستشارة زوجتى … وفي اليوم التالي تلقت زوجتي وانا دعوة على العشاء عند السفير في مناسبة اجتماعية .. و في نهاية العشاء قلت للسفير اني موافق على العمل معه وبانني سابدا  بعد عدة اسابيع… وهكذا كان، حيث اصبحت مع الزمن وبالتدريج اقوم بمهمات متعدده من الترجمة والاعلام والعلاقات العامه الى كتابة  البيانات والتقارير في الموضوعات المختلفة  الى مرافقة الوفود بل وصل الامر الى انني تدربت على كتابة  المحاضر والاتفاقيات  .

وصدف ان رافقت وفدا من رؤساء تحرير وسائل الاعلام الكويتية  وكان الوفد برئاسة مديرعام وكالة الانباء الكويتية برجس حمود البرجس  الذي عرض علي ان اعمل مراسلا للوكالة من يوغسلافيا  ولما ذكرت انني  اعمل موظفا بالسفارة وان ذلك ربما يتناقض مع عملي وبان وقتي قد لا يسمح  بعمل اضافي الا انه ذكر بانه سيرتب الموضوع مع السفير .. وفي  اليوم التالي دعاني السفير وبحضور الرجس وذكر لي بانه  يرحب ان اعمل مراسلا  للوكالة وبانني بذلك اغطي نشاط السفارة وهو ما يعتبر عملا مفيدا له ايضا .

وصادف ان مبنى السفارة كان مواجها تماما لكلية العلوم السياسية  فقد سالني عميد الكلية الذي كان –كجار – يلتقي معي من وقت لاخر ونتحاور في القضايا الدولية والمحلية  الراهنه واصبحنا اصدقاء ان سالني اين انهيت كلية العلوم السياسية  فلما قلت له انني لم ادرس اكاديميا هذا المجال  انتفض محتجا ان علي ان التحق فورا في الكلية وبانه سيشكل لجنة لامتحاني لالتحق بالمستوى الثالث اي الالتحاق بالماجستير .. وبالطبع كنت سعيدا بهذا التقدير لكني قلت للصديق  البوفسور يانكوفيتش  ان علي اولا ان انهي بعض الامتحانات المتبقية من كلية الطب البشري … ويمنك تصور حجم الدهشة  على البروفسور اليوغسلافي العريق  يانكوفيتش .

وهكذا كان،  فقد انهيت المهمة الاولى والثانية  – المتناقضان في  وقت واحد تقريبا – وقد دافعت عن اطروحة الماجستير  في مجال ” الدبلوماسية الاقتصادية  ودور المنظمات  الاقليمية  في تفعيل هذا التوجه- دراسة مقارنه بين  السوق الاوربية المشتركة و مجلس التعاون الخليجي ” .

وبعد انتهاء مهمة السفير الغضين  انتهزت الفرصة  للانتقال الى مكتب مستقل  خاص يالوكالة  الا ان السفير الذي خلفة  وهو السفير المخضرم الرائع  عيسى الحمد طلب الي ان استمر  للعمل كمستشار للاعلام في السفارة  و من موقعي كمدير لمكتب وكالة كونا  ورغم ان في ذلك تناقض اداري  واضح الا انه تعهد باخذ اذن خاص من الوكالة بهذا الشان.

كنت ناشطا في رابطة الصحفيين الاجانب التي  وصل عدد اعضائها الى ما فوق المئة عضو  والتي تزايد عددهم واهتمام البلاد بهم مع تزايد  التغييرات في اوروبا الشرقية عموما والتي ظهر انها ستكون نهاية للحقبة الشيوعيه .

وقد رشحني بعض الزملاء لرئاسة الرابطه  ولا اعتقد انهم وجدوا في انني الافضل  بل لانني الانسب كون ان هناك تكتلات وصراعات بين فرقاء كانوا غير قادرين لتثديم تازلات بعضهم لبعض مما عطل وشل عمل الرابطة فوجدوا في كشخص ” محايد” ومقبول لدى كل الاطراف انني الانسب لترؤس الرابطه فانتخبوني  بما يشبه الاجماع .

وعندما حصل الغزو العراقي للكويت وقفت موقفا مؤيدا لقضية الكويت منطلقا من مبدا عدم احتلال ارض الدول المستقلة بالقوة حتى لو كانت شقيقه  .. و حدث انه خلال الفترة الصعبة تلك  تلقيت عروضا للانتقال للعمل في مؤسسات صحفية.

لدول عربية اخرى لكني اعتذرت منطلقا من مبدأ اخلاقي وهو ان لا اترك زملائي واصدقائي في الوكالة الكويتية وفي الكويت عموما وهم في امس الحاجة الي . بل اني قلت للسفير الحمد انني مستعد ان اعمل و بدون اجر  انطلاقا من  مبدا الوفاء  للعيش والملح .

عندها بدات الازمة اليوغسلافية بالتفاقم  وكان واضحا ان  التصعيد سيصل اوجه بانقسامات  وتصدع للبلاد لن يمر بدون صراعات مسلحه  فاعددت نفسي  للمرحلة  حيث وجدت ان رئيس صربيا المتطرف  ميلوشفيتش  يتوجه للسيطرة المباشرة المطلقة على يوغسلافيا  واته سيبدا بالسيطرة  على الاعلام واجهزة الامن  حيث ظهر جليا قيامه بتصفيات او في احسن الاحوال باعتقال او طرد  معارضيه  ومن بينهم الصحفيين او الدبلوماسيين الاجانب  في ظاهرة غير مسبوقه.

وكنت ارتب  نفسي لترك  بلغراد  في الوقت المناسب دون ان يشعر بي احد  الا انني وفي احدة الامسيات انفجرت قنبلة امام منزلي  وعندما اتصلت بالشرطة وفي وزارة الاعلام كان الجواب ياتي  فاترا ودون تفاعل جاد .

شعرت عندها ان الامر اصبح جديا خصوصا وان صحفيين اجانب اخرين –  قد اتصلوا  بي  يشكون الي بصفتي رئيس رابطة المراسلين  من مضايقات مختلفة  ورسائل تهديد و تحقيقات في دوائر وزارة الاعلام ووزارة الداخلية  بشان ما يكتبوه عن الوضع في يوغسلافيا .

شعرت عندها بان علي ان اسرع الخطى للمغادرة و في ذات اليوم الذي كنت اعد نفسي للسفر بواسطة هنغاريا الى النمسا  استبقني قرار ” سحب الاقامة ”  والسفر الفوري لدرجة انني لم اتمكن من الذهاب للمنزل لاخذ  حاجياتي الاساسيه.

وهكذا انتقلت لاحقا  من النمسا الى كرواتيا  وبدات من  نقطة الصفر و من جديد .. طلبت الي الوكالة الكويتية ان استمر معهم كمراسل وان افتح مكتبا كما تلقيت طلبات اخرى من محطات تلفزيونية واذاعية وصحف لاعمل معهم خاصة وان الازمة اليوغسلافية  انتقلت الى مرحلة المواجهة العسكرية بين صربيا وكرواتيا من جعة وبين صربيا والبوسنه من جهة اخرى والراي العام العربي لم يكن يعلم  الكثير عن تلك الازمة بل كانت تاخذه العاطفة لدولة يوغسلافيا  التي ارتبط اسمها بالرئيس تيتو – صديق العرب .

ومن كرواتيا  التي كانت مركز بعثات الامم المتحدة  المختصة بيوغسلافيا المدنية  منها والعسكرية  فقام احد الاصدقاء بترشيحي  للعمل في بعثة الامم المتحدة كخبير  سياسي لشؤن المنطقه..

ومن خلال هذا الموقع وموقعي الاعلامي كنت اميل الى الضحية  والى المظلوم  في هذه المعادلة وكان من الطبيعي ان اتعاطف نسبيا مع كرواتيا وان اتبنى القضية البوسنية من منطلق انها قضية عادلة قبل كل شيء .

وكان التواصل مع المسؤلين في البوسنة امرا طبيعيا  وكانوا يطلبوا مني الراي والمشورة في العديد من الامور المتعلقة بالتعامل مع العديد من القضايا ومنها الاعلام والعلاقات مع العالم العربي  حيث قدمت وبشكل تطوعي الكثير من المقترحات والمبادرات  النوعيه  المتعدده  .

و شاركت في العديد من المؤتمرات والاجتماعات والمشاورات المتعلقة  بالازمة البوسنية  حيث كنت ضمن الفريق الاستشاري  للوفود  البوسنيه  حبث طلب الي وزير الخارجية البوسني حيتها الدكتور حارس يلايجتش ان اعمل ضمن فريقه وقمت في ظروف الحرب الصعبة بما يملية علي ضميري وقدراتي  باخلاص و قوة  انطلاقا من ايماني بعدالة قضية البوسنه و من انني اعتبر نفسي متطوعا  لا طمعا في منصب او مال .

وبعد ان توقفت الحرب كان من الطبيعي ان استمر ضمن فريق  وزير الخارجية سيلايجتش الذي اصبح رئيسا للوزراء، حيث شغلت موقع المستشار للعلاقات  الخارجية وعنيت بملف العلاقات مع العالم العربي  ووضعت  جل اهتمامي   كيفية تنفيذ خطط اعادة الاعمار  بعد الحرب حيص ساهمت في جلب الاستثمارات الكويتية  – الحكومية للبوسنه حيث  كان لي دور ملحوظ في  مشروع اعادة  اعمار مجمع الحديد والصلب  والذي يعمل فيه الان حوالي اربعة الاف عامل  كما ساهمت في جلب القروض الميسرة  او المنح  للعديد من المشاريع  التنموية في البوسنه .

 وبعد فترة استراحة  حاولت خلالها العودة للاعلام والصحافة  الا ان  الرئيس سيلاجيتش الذي فاز للتو في الانتخابات الرئاسية  استدعاني للعمل للانضمام الى  فريقة الاستشاري الرئاسي  وكان ذلك في اكتوبر عام 2006 .

وبعد حوال عام من العمل في ديوان الرئاسة  اقترح علي الرئيس ان  اذهب سفيرا للبوسنه في الكويت انطلاقا من علاقاتي القديمة بالكويت و انطلاقا من مساهمتي في  جلب الاستثمارات  من الكويت ومن دول المنطقة  الخليج العربي  وبان البوسنه تتوجه لتنشيط العلاقات الاقتصادية  ولم تجدي ملاحظاتي باني لست شخصا اقتصاديا على ثني العزم والاصرار على ان اقوم بهذه المهمه على اساس ان البوسنه والهرسك تعطي للعلاقات مع الكويت اهتماما خاصا وانني ساكون سفيرا بصلاحيات استثنائية وليس مجرد سفير تقليدي ..

ولقد ساهمت خلال الخمسة اعوام التي قضيتها كممثل للبوسنة في الكويت في تنشيط  العلاقات في جميع المجالات كما قمت بابرام جميع الاتفاقيات الممكنه  وعملت على الغاء التاشيرة على المواطنين الكويتيين لزيارة البوسنه كما جرى فتح  عشرات الشركات الكويتية  في البوسنه والهرسك لتصبح الكويت الدولة العربية الاولى في حجم التعاون الاقتصادي مع البوسنه .

كما ساهمت في تنفيذ عشرات المشاريع والفعاليات الثقافية والفنية و الرياضية والانسانية المتنوعه  اضافة الى انشاء  جمعية للصدافة وغرفة تجارية مشتركه  تضمن استمرار التعاون  الاقتصادي  في المجالات  المتهدده .

وبعد انهاء مهمتي اعود الان الى القاعده كسفير فوق العادة ومتجول  وقد اخترت ان أرأس مركزا للدراسات الاستراتيجيه يعني بشؤن- اوروبا والبلقان – اي شرق اوروبا والشرق الاوسط بشكل خاص .

شاهد أيضاً

استعدادات لحفل تكريم الشيخ محمد الكريشان

الاستعدادات جاريه الآن من قبل أبناء الجاليه الاردينه بمنطقة تبوك لعمل حفل تكريم الشيخ محمد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *