الاردن ليس في خطر

من بين الكثير من  ال” محللين ” و الكتاب  الذين يطلوا برؤوسهم من وقت لاخر ليقولوا لنا كيف سيكون  يومنا  وعما اذا كانت الشمس  ستطل في يوم الغد من الصباح  او من رابعة النهار .

ومن  اولئك  الكيميائيين  لبيب قمحاوي  الذي سطر مقالا طويلا عريضا مؤخراً بداه  بخدعة  تاريخية وهي ان مصير وبقاء الدولة الاردنية منذ بدايتها كأمارة  ولا حقا كمملكه كان مرتبطا بالقضية الفلسطينية  كما غمز من كفاءة وقدرات النظام الاردني  ووعي شعبه و مؤسساته .

وحقائق التاريخ والجغرافيا تقول انه رغم الارتباط والعلاقة الوثيقة بين الشعبين والكيانين الاردني والفلسطيني الا ان وجود وقيام الدولة الاردنية  منذ عام 1921 كان خيارا مستقلا وان  تطور هذا الكيان ليصل مستوى المملكة المستقلة في ايار 1946  كان نتيجة نضال واصرار الاردنيين على تعزيز كيانهم ونيل استقلالهم وتعزيز دولتهم  ولو كان مرتبطا وجوديا  بمصير القضية الفلسطينية لكان قد حصل العكس لان القضية الفلسطينية كانت تتراجع مع ذلك الزمن  وكانت مرحلتها الحرجة تلك  في العقد الرابع تماما  لذلك فكان يفترض حسب هذا ” المحلل” ان تضعف الدولة  وتتهاوي تمشيا مع ضعف القضية الفلسطينية  والتي شهدت  المرحلة السوداء من تاريخها في اواسط ايار عام 1948 بقيام دولة اسرائيل .
ومعلوم  الدور المشرف للقوات الاردنية التي دخلت فلسطين بطلب اهلها وبقرار عربي جماعي  وكانت هي الوحيدة التي حافظت واحتفظت بالمقدسات قياسا بالقوات العربية الاخرى التي كانت اكثر عدة وعددا لكن انجازاتها على ارض فلسطين كانت متواضعة جدا .

أن قوة الدولة الاردنية بشعبها وجيشها قد تجلت بكفاءة عالية في حرب فلسطين حيث سطر الجيش العربي الاردني صفحات البطولة والفداء  محتفظا ومدافعا عن اقدس المقدسات واهم المدن الفلسطينية  من نابس شمالا الى الخليل جنوبا وكان هذا الجيش والذي كانت قواته لا تتجاوز الخمسة الاف عسكري  قد حافظ على بقعة جعرافية الاكثر كثافة سكانية والاكثر قداسة  عند المسلمين والمسيحيين .

الحقائق  تؤكد ان الدولة الاردنية  كانت قوتها تتطور وتتعاظم بقدراتها وكفاءتها الداخلية قبل كل شيء و بغض النظر عن العوامل الخارجية ومصير قضية فلسطين. اذا انه يفترض حسب شطحات خيال الكاتب ان  تتقسم او تنهار الدولة الاردنية مع انهيار  وتقسيم فلسطين . صحيح ان قضية فلسطين  لها اثارها السلبية على الاردن وعلى العرب جميعا وان ضياع فلسطين و تاسيس دولة اسرائيل قد كشف خاصرة الاردن الاقوى امام اسرائيل لكن قدرة الاردن على الصمود والنمو كانت اقوى من تحديات الجعرافيا .

و يقول ” المحلل” بان  الاردن لا يملك مقدرات للعيش والحياة بدون العالم الخارجي و الدعم الخارجي والدولي لانه ” لايملك النفط والغاز  والماء ”  ونقول له انه رغم اهمية هذه الكنوز الا ان غالبية دول العالم لا تملك لا النفط ولا الغاز” وعدد كبير منها شحيح  في الموارد الطبيعية  لكن تلك الدول متطورة ومتفوقه  وكاملة السياده .. و لا تريد ان نذهب بعيدا  فدولة مثل تونس او حتى سويسرا او النمسا او هنغاريا او جمهورية التشيك او البرتغال  وهذه دول تتشابه في المساحة او عدد السكان مع الاردن ولا يوجد فيها لا نفط ولا غاز  وبعضها شحيح في المياه العذبه  لكنها دول تعيش على السياحة بانواعها وعلى الخدمات  وعلى التجارة اي على كفاءة اليد العاملة  فيها .

ان المبالغة في ربط مصاعب الاقتصاد الاردني بندرة الموارد الطبيعية  استخدمته وتستخدمه الكثير من الحكومات ودوائر  السياسة في البلاد  مرة  لتبرير عجزها ومرات كحجة لطلب العون الخارجي اكثر مما هي في واقع الامر رغم اعترافنا باننا في الاردن بامس الحاجة للموارد الطبيعية لتخفف عناء البحث المتواصل عن البدائل والتي هي صعبة المنال خاصة على دوائر السياسة والاقتصاد الكسوله .

و ياخذ ” المحلل” الكيماوي  حجة اخرى للغمز من قناة الاردن وهي تصريح معروف لوزيرة الخارجية الامريكية السابقة – مرشحة الرئاسة  هيلاري كلنتون  تعرضت فيه ضمن حديثها عن منطقة الشرق الاوسط  وبان “السلام  النهائي للصراع الفلسطيني  الاسرائيلي  ربما لن يتحقق حتى  نعرف ماذا سيحصل في سوريا  وعما اذا كان ذلك سيجعل الاردن مستقرا ” .

هذا التصريح الذي جاء من شخصية غير حكومية  وبعيدة عن القرار كون الكلام  جاء ضمن حملة الانتخابات الامريكية الذي يقال فيه عادة الكثير من اللغط الا ان هذا الكلام  اخذ بعض الدوائر اكبر من حجمه وقيمته .وحتى لو اخذنا الكلام بحرفيته  وبانه من شخص مسؤل فانه لا يعني ان مستقبل الاردن على كف عفريت كما استخلص ” المحلل ” وليد قمحاوي ذلك ان الوضع في سوريا سيؤثر بالتاكيد على الاردن و على الاستقرار فيه وسيؤثر في فلسطين وفي اسرائيل و في المنطقة كلها ، لكن خصوم الدولة الاردنية اعطوا هذا التصريح ان لم نقول اضافوا عليه الكثير من ” البهارات ”  وينفخوا فيه ليظهر كما لو ان مستقبل الاردن ووجوده غامض و غير واضح المعالم .

ويعطي الكاتب الانطباع بانه يعرف اللغة الانجليزية  او انه خبير و يعرف السياسة الامريكية  من خلال نقلة نصوصا في اصلها الانجليزي  وهو ربما لا يعرف ان اي طالب في الصفوف الاعدادية في اي مدرسة خاصة في عمان يعرف الانجليزية  مثلة  اما انه يقول انه يعرف السياسة الامريكية فاريد ان اقول له انني اعرف عشرة شخصيات في الاردن تستطيع ان تشرب القهوة  مع السيدة كلنتون ومن هم في مستواها كل مرة يزوروا واشنطن رسميا او شخصيا بل انا  العبد الفقير اعرف شخصيا ويعرفني العشرات من الرجال المهمين و من بينهم السيدة كلنتون ذاتها ومن غيرهم في الادارة  الامريكية سواء وزارة الخارجية  أوالكونغرس أو مؤسسات البحث التي تزود الادارة بالمشورة .

وكوني  احد افراد الطاقم الذي يعمل في حملة السيدة هيلاري فقد سالت شخصيا  حينها لاستفسر عن هذا التصريح  فقيل لي ان حديث السيدة هيلاري  جاء في معرض الكلام عن سوريا  لان استمرار الازمة فيها  له انعكاسات سلبية على فرص تحقيق السلام  بين الاسرائيليين والفلسطينيين  وان التوتر في سوريا سيهدد الاستقرار في الاقليم كله بما فيه الاردن الجار الاهم  لفلسطين ولسوريا .

لكن ” المحلل ” يسند حجته هذه بمقال  لكاتب صحفي امريكي يتحدث فيه عن المنطقة يستخلص منه ان امريكا تشكك في امكانات ديمومة النظام في الاردن !!. وانا اقول ان هناك العديد من المقالات في المقابل والتي تقول عكس ذلك تماما كما ان هناك تصريحات لمسؤلين في الادارة الامريكية سواء من البيت الابيض او من وزارة الخارجية ممن يضعوا الاردن على راس الاهتمامات  الامريكية.

وما تصريح السفيرة الامريكية مؤخرا والتي تقول فيه دون لبس او غموض ان الاردن على راس حلفاء امريكا  في المنطقة  وان تعزيز قوة وصلابة الاردن هي اولوية امريكية.

ماذا بعد ذلك من قول  لهذا ” المحلل” الذي يستشف ويضيف و يخبز ويعجن في  امور  لايعرفها جيدا  فالسياسة الامريكية  لا تتغير او تصاغ بشكل  ارتجالي   بل هناك عوامل وشروط  تعتمد على معطيات  ربما لا يعرفها ” محللنا العبقري .

ومن اشكال الدس والتزوير ان الكاتب يصل به الامر في هجومة على الاردن  انه يصفه” خط الدفاع الاول عن اسرائيل ” من العرب الواقعين خلفه  والعكس هو الذي يثبته التاريخ فطالما كان الاردن ولا يزال خط الدفاع الاول للعرب امام اسرائيل . ومن يقرا التاريخ  ويفهمه يدرك بوضوح تام هذا الدور والذي دفع الاردن بسبب الولد والمال .

ويزيد لبيب قمحاوي  في اساءته للاردن  بان الاردن ” يقتات على الموائد المالية والسياسية للدول الاخرى … ”  اقول انه اذا كان هو كما يبدو حصل على فتات ليكتب ما كتب عن الاردن فان هذا البلد العربي العريق  لا يقتات على موائد احد كبيرا كان او صغيرا .. الاردن له تحالفاته وصداقاته  وله دورة الاقليمي .

الاردن يسعى للاستثمارات ويلح عليها  وليس في ذلك حرج ولا عيب ان يطلب و يلح في اخذ القروض الميسرة من الاصدقاء والاشقاء   فالدول العظمى تسعى وترجو الاستثمارات وتقيم الوساطات للحصول عليها فما بالك بالاردن الذي لم ننكر يوما ما انه ” محدود ” الامكانات  مثلة مثل الكثير الكثير من دول العالم  لكنه ” ليس “عديم “الامكانات  كما يتمنى  و يروج  وليد القمحاوي.

ويعيب” المحلل” بان  عوامل القوة الذاتية الاردنية ” شحيحة او مفقوده ” وبان عوامل قوة الاردن هي” المستمده  من ضعف او خلافات الغير”   ونقول له بان الاردن كان ومنذ البداية عاملا على وحدة الصف العربي وكان الوسيط في كل الخلافات العربية وكانت السياسة الخارجية ولا تزال تسعى لربط ووحدة العرب الاشقاء وبل على العكس فان الاردن كان يعاني ويتاثر  سلبا بالخلافات العربية  والانشطارات العربية  ليس فقط من منطلق المصلحة البراغماتية بل لان فلسفة  الدولة الاردنية قامت على تراث الثورة العربية الكبرى الذي كان اول شعاراتها  – وحدة العرب .

و يزعم هذا المحلل العبقري بانه “يعتقد ان  هناك توجه ” لدى “بعض”  اوساط صناع القرار في واشنطن بان الاردن  في طريقه ليصبح “دولة فاشلة ” ويكتبها بالانجليزية ليدلنا على عبقريته في  معرفة معنى هذه الكلمة  و  التي تستطيع جدتي عبر “العم غوغول ” ان تستخرجها بكفاءة عاليه .

ويشرح هذا “الفشل” للدوله بانه نابع ان الولاء في الاردن  ليس للبلد بل للنظام  ويريد ان يقول لنا ان النظام  والسلطة و الدولة في الاردن  هي اشياء  متناقضة او متخاصمه مع بعضها  وليس لها ذات المصالح . بل وصل به الخيال ان يزعم ان “الحرس القديم والجديد “من مستشاري الملك  لا يؤدوا المشورة الصحيحه .. ونحن نطمئنه ان  جلالة الملك محاط برجال مخلصين  يؤدوا واجباتهم التي يعهد جلالته لهم بها  وجلالته يقدر مصلحة البلد بهمة عالية ويعرف ويقيم رجاله  ومواقعهم  .

اننا نعلم اكثر من هذا ” المحلل ” ان الديوان الملكي العامر مفتوح لابناء الاردن  المخلصين  وان صوتهم يصل لجلالته .وان جلالته يعرف شعبة جيدا ويدرك احتياجاته وهمومه .

اما عن الاصلاح فهو مطلب عام جاء بمبادرة ملكية تفاعلت مع المطالب الشعبية  وهناك اجماع حول ذلك  وان  الطموح  بان تتسارع خطى الاصلاح  اكثر واعمق  هو مطلب طبيعي  يحتاج قبل كل شيء التغلب على البيروقراطية وعلى عقلية الجمود والخوف من التغيير داخل مؤسسات الدولة التقليديه و لكن هناك بالطبع اجتهادات في هذا السياق فمن يريد الاصلاح السريع ومن يريد البطيء خوفا من الهزات  لكن البلد تسير في هذا الاتجاه  ولن تتراجع فيه .

و يزيد لبيب قمحاوي في لغطه بان الدولة الاردنية ” تجلس على كف عفريت”  وان هذا “العفريت ” هو بعض كبار المسؤلين الذين “هدفهم ارضاء صاحب القرار دون تقديم المشورة  الصحيحه” وهذه  محاولة خبيثة من القمحاوي لان يحاول وضع اسفين  بين مؤسسات  الحكم  ويعطي الانطباع بان الفساد يستشري في جميع انحاء واجهزة الدولة .. صحيح ان هناك فساد وانه في مستويات وجوانب كثيرة وعديدة لكنه ليس بذات الحجم الذي يجعل من الاردن دولة فاشلة وتجلس “على كف عفريت” .

بل يزعم ان هناك تناقض بين مصالح وحاجات الشعب وبين حاجات ومصالح النظام وهذه دعوة اخرى للفتنة تقوم على لي عنق الحقيقة  وتزوير الواقع . لاننا ندرك ببساطة ان النظام الاردني ليس ولم يكون في تناقض مع الشعب الاردني  لا لان مؤسسات  العمل الديموقراطي لا تسمح بذلك بل لطبيعة وماهية وفلسفة الحكم في الاردن التي تقوم على اساس احترام وتحسس احتياجات الشعب .

اما الحديث عن النفاق السياسي في الاردن والتي يشير لها الكاتب المذكور فهذا امر صحيح و مكروة و ظاهرة غير حميده لكن تعزيز العمل الديموقراطي والانفتاح المجتمعي والوعي الوطني  سيضعفه  الى حد كبير .

 و يستنتج  هذا ” المحلل ” القمحاوي  بان مستقبل الاردن على كف عفريت لسبب اخر وهو ” غموض” الموقف الرسمي الاردني  من سوريا .

ونطمأن الاردنيين قبل ” القمحاوي ” بان موقف الاردن واضح وهو انه مع سوريا الدولة والشعب وان مصير سوريا يجب ان يقررة السوريون وان الاردن معهم كان وسيظل  يستقبل ابنائهم على اراضية ويتقاسم همومهم . اما ان الاردن لايريد ان يزيد الطين بلة ولا يريد خوض معارك الغير في سوريا فهذا ليس غموض بل حرص على سوريا الشقيقه والجار  لاننا نسعى لاطفاء الحرائق لا زيادتها اشعالا خاصة انها على حدودنا  وتصيب اشقاءنا ..

ونقول لقمحاوي الافضل لك بدل ” تحليل ” الوضع في الاردن  الذي يبدو انك لا تعرفة اذهب ” لتحلل ” اشياء اخرى و في اماكن اخرى واسرح بخيالك بعيدا …

ترى  الاردن بخير ..

د. ياسين رواشده

دبلوماسي ومدير مركز ” امه ” للدراسات الاورمتوسطيه

شاهد أيضاً

الاستثمار، الرهان الخاسر!

جميعنا اصبح يعي و يدرك أن تحقيق نسب نمو وخلق فرص عمل وتحريك الدورة الاقتصادية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *