طموح الملك ومتاريس البيروقراطية

بقطف حصاد “مزرعة رياح الطفيلة”، يغرس الأردن ثمارا متقدمة على خريطة الطاقة المتجددة في العالم، ويخطو نحو المساهمة بكوكب أكثر اخضرارا وتحصينا ضد مخاطر التغير المناخي الداهم.
فبعد عشر سنوات من العمل الدؤوب لفتح باب الاستثمار في قطاع الطاقة المتجددة، تحقق حلم الملك عبدالله الثاني، عبر ولادة أول مشروع استراتيجي خاص باستغلال طاقة الرياح، بما يساهم في تغيير الثقافة المجتمعية وتجاوز البيروقراطية حيال تقبل فكرة التحول إلى الطاقة المتجددة. كما يساهم في تنويع مصادر الطاقة بدلا من الاعتماد كليا على الغاز المسال والوقود الثقيل، الخاضعة أسعارهما لتذبذبات الأسواق العالمية. وبالتالي، سيتعزز أمن المملكة في هذا القطاع الحيوي الذي يتحكم بشرايين الاقتصاد والعباد.
الأهم من ذلك، الدروس والعبر المستقاة من استكمال هذا المشروع بكلفة 287 مليون دولار بعد طول انتظار. فهو يؤشر إلى الطاقات غير المحدودة لأنموذج استثماري جديد عابر للقارات، قائم على شراكة بين القطاعين العام والخاص. ذلك أن التمويل وفّرته شركات خاصة، فيما تضمن الحكومة قيام شركة الكهرباء الوطنية المملوكة لها بالكامل بشراء إنتاج هذا المشروع لمدة 20 عاما، على أن تسدد المستحقات شهريا.
في المقابل، يكشف التأخير عيوب “سيستم” الاستثمار في الطاقة المتجددة؛ ثغرات تشريعية، ونفوذ البيروقراطية المتجذرة التي باتت تشكل ثقلا طاردا للاستثمار الخاص خلال السنوات الماضية. لماذا؟
هذا المشروع هو الأول الذي يجتاز الحواجز البيروقراطية صوب مرحلة التشغيل، بين سلسلة مشاريع استراتيجية وفق قانون الطاقة المتجددة لسنة 2010، والذي تأخر إقراره 10 سنوات نتيجة تضارب المصالح، وسرعة تغيير الوزراء، وسيطرة أجندة القوى المتصارعه على آلية اتخاذ القرارات في مراحل مختلفة. وتضافرت تلك العوامل مع ضعف حماس مؤسسات رسمية تجاه الطاقة المتجددة، نتيجة مخاوف من تأثير ذلك على عوائد شركة الكهرباء الأردنية التي تحتكر قطاع إنتاج ونقل وتوزيع الطاقة التقليدية. وبذلك فضلوا المكاسب الآنية على اختراقات استراتيجية، يفترض أن توفّر مليارات الدولارات.
القائمون على المشروع صبروا أشهرا قبل استكمال بنائه بقدرة توليدية تبلغ 117 ميغاواط، تنتج 400 غيغاواط/ ساعة؛ أو 3.5 % من إجمالي استهلاك الطاقة السنوي. والسبب في ذلك اضطرارهم للتعامل مع ثماني وزارات ومؤسسات لاستكمال أوراق الترخيص ومعاملات استيراد توربينات وأبراج ومراوح. هذه المعاناة تكشف ضرورة اعتماد نافذة استثمارية رسمية واحدة -المطروحة فكرتها منذ عقدين لكن من دون جدوى- لمنح تراخيص الاستثمار والتعامل مع الإعفاءات الضريبية الخاصة بالدخل لعشر سنوات، إضافة الى مستلزمات إنتاج الطاقة المتجددة.
أصحاب هذه الشركة واجهوا سيلا من التعطيلات نتيجة عدم إلمام غالبية الموظفين ببنود القانون المنظم للطاقة المتجددة والإعفاءات الواردة فيه. وبذلك يستطيع أي موظف في أي قسم تعطيل المعاملة لأيام وأسابيع، قبل أن يتدخل الوزير لفك طلاسمها.
هذه النافذة أساسية لتنفيذ الاستراتيجية الوطنية للطاقة؛ إذ يتوقع ارتفاع مساهمة الطاقة المتجددة إلى 10 % من مجمل خليط الطاقة بحلول العام 2020، من خلال عشرات المشاريع الاستثمارية قيد التنفيذ، بخبرات ورؤوس أموال القطاع الخاص.
مثال آخر على عرقلة البيروقراطية للطموح الملكي ما يحصل لمشروع قيد التخطيط في منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة لاستغلال الطاقة المتجددة في الزراعة وتحلية مياه البحر وتوليد الكهرباء، بتمويل من مؤسسات دولية مانحة جاءت للأردن بتشجيع وطلب من الملك. خمس سنوات مرّت والمشروع في حال تقاذف بين مرجعيات مختلفة. وآخر المعلومات تفيد بأن سلطة الطيران المدني تعترض على تركيب الخلايا الشمسية قرب مطار العقبة الدولي، لكي لا تؤثر الانعكاسات على سلامة الطيران، علما أن مطارات دولية، مثل دنفر في ولاية كولورادو وجنيف، تحتضن هكذا معدات في محيطها من دون أن يكون لذلك تأثير على سلامة الملاحة الجوية.
من الدروس الأخرى؛ الاستثمار في نماذج جديدة لشراكات تساهم في إنشاء هكذا مشاريع تحويلية رائدة قابلة للتعميم. فمشروع رياح الطفيلة ائتلاف دولي، يضم أبرز المؤسسات الاستثمارية والتمويلية في العالم، منها صندوق انفراميد للبنية التحتية الفرنسي، وشركة مصدر الإماراتية، وأي. بي. غلوبال إنيرجي القبرصية. وتشارك في التمويل صناديق عديدة، من بينها مؤسسة التمويل الدولية، وبنك الاستثمار الأوروبي، وصندوق أوبك للتنمية الدولية، ووكالة تسليف الصادرات الدنماركية، والبنك العربي-الأوروبي، والمؤسسة الهولندية للتمويل والتنمية.
هكذا مبادرات تشع قدرات لتعزيز أمن الطاقة وتنويع مصادرها النظيفة لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية المستدامة، وتقليل انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بحوالي 235,000 طن سنويا.
هذه الأهداف تتماشى مع اتفاقية باريس التاريخية، التي وقّع عليها الأردن قبل أيام، امتدادا لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية للتغير المناخي خلال الجلسة الـ21 لمؤتمر الأطراف “كوب 21”. وتقع هذه الاتفاقية في 31 صفحة، وتضم 29 مادة لحماية الكون من مخاطر انبعاثات الغازات، بخاصة في دول تحتل مراتب اقتصادية متقدمة، مثل الولايات المتحدة والصين والهند، وأيضا الإمارات التي تتصدر قائمة دول المنطقة في الانبعاثات.
كما يستحضر هذا المشروع -المعتمد على سرعة واتجاه الرياح من بطن الصحراء- ذكريات ريادية في مجال استكشاف الطاقة المتجددة القائمة على الرياح والشمس أواخر العام 1970، ما أحال الأردن إلى أنموذج على مستوى المنطقة، قبل أن تدفع هذه التجارب ثمن التعقيدات البيروقراطية وصراع أصحاب الأجندات.
وقتذاك، بدأ العمل بدعم من الحكومة الألمانية على البحث والتطوير العلمي في مجالات تكنولوجيا الطاقة المتجددة في بادية الأردن. وجهّزت معدات لتوليد الكهرباء وتحلية مياه الشرب بالاعتماد على طاقة الرياح والشمس، وانتشرت لتغمر البادية الجنوبية والشمالية الشرقية، بريادة الجمعية العلمية الملكية وإسناد المركز الوطني لبحوث الطاقة، الذراع الحكومية الفنية للبحث العلمي في مجال الطاقة الشمسية. نذكر هنا إسهامات قائمين على تلك المشاريع؛ منهم المهندس مالك الكباريتي وزير الطاقة الأسبق، ود. هاني الملقي رئيس مجلس مفوضي سلطة أقليم العقبة حاليا، والمرحوم د. رزق الطعاني والمهندس عمّار الطاهر. هؤلاء الرواد عملوا بلا كلل بدعم وإشراف الأمير الحسن بن طلال. وأثمرت تلك التجارب عن تطوير سخانات شمسية واستخدامات تكنولوجيا الطاقة الشمسية لتدفئة المنازل عبر أنابيب تدفئة تحت البلاط، واستخدام الخلايا الشمسية وطاقة الرياح لكهربة المناطق النائية، بما في ذلك ضخ المياه.
أول مشروع لتوليد الطاقة من الرياح كان في جرف الدراويش وأولى مزارع الرياح في قرية حوفا، شمال الأردن، حيث ركّب المركز الوطني مراوح عملاقة العام 1993، قادرة على توليد 1.5 ميغاواط. وهي ما تزال تعمل بكفاءه عالية.
 مصر لحقت بالركب. وكانت الكويت أول من وقع اتفاقية مع الأردن لاستغلال الطاقة الشمسية في مجال تدفئة المنازل. وجهّز أول منزل شمسي في الجمعية العلمية الملكية قبل انتشار هذه الوسيلة في منازل الأردنيين.
المركز الوطني لبحوث الطاقة الشمسية كان أول من اقترح مشروع قانون الطاقة المتجددة العام 1996، ليقرّ بعد 14 عاما، ثم يعدّل العام 2012. كان الهدف منه لفت انتباه أصحاب القرار والنفوذ إلى أهمية استغلال هذه التكنولوجيا لتطوير مصادر نظيفة وبديلة للطاقة عبر إدخال القطاع الخاص على الخط.
هذه الرؤية لم تتحقق إلا بعد عقدين من الانتظار. اليوم نعيد استكشاف هذا العالم الجميل. نتذكر أهمية البناء على ما زرع سابقا وتطويره. فلا شيء يتبلور فجأه في مجال تطوير الطاقة المتجددة.
نأمل من الحكومة الإسراع في إجراءات تنفيذ مشروع “الممر (الكوريدور) الأخضر” لتمكين شركات نقل الكهرباء من زيادة قدرة شبكة الكهرباء الوطنية. فرغم اتخاذ القرار بشأنه العام 2012، لم يحصل أي تقدم ميداني حتى الآن. ثمّة أمل بأن تعمد شركات توزيع الكهرباء -أكثريتها مملوكة للقطاع الخاص- إلى تسريع إجراءات منح رخص تركيب خلايا طاقة شمسية على أسطح المنازل للمساهمة في ترشيد استهلاك الطاقة وخفض فاتورة استيراد المشتقات النفطية والغاز المسال. فارتفاع الأسعار عالميا ساهم في رفع مديونية شركة الكهرباء الوطنية عبر السنين إلى خمسة مليارات دينار؛ ربع مديونية الدولة.
والأمل أن تعود أمانة عمان عن قرارها الأخير بفرض شرط الحصول على إذن إشغال لأي مبنى خاص ينشد صاحبه/ته استخدام تكنولوجيا الخلايا الشمسية، من باب تحصيل الرسوم. فمثل هذه الموافقات من صلاحية هيئة تنظيم قطاع الكهرباء والمعادن. وندعو الحكومة إلى تشجيع شركات الإسكان والأفراد على تطوير مفهوم المباني الخضراء القائمة على إدخال تكنولوجيا الطاقة المتجددة واستخدام مزيد من المواد العازلة للحرارة.
لنتخيل معا: لو تعاونت مكونات الدولة الشعبية والرسمية في تطويع استخدامات الطاقة المتجددة، لغدا الأردن أنموذجا لبلد أخضر وآمن.

شاهد أيضاً

تشغيل أول محطة للطاقة الشمسية للمركز الدولي لضوء السنكروترون

بدأ المركز الدولي لضوء السنكروترون للعلوم التجريبة وتطبيقاتها في الشرق الأوسط (سيسامي) تشغيل أول محطة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *