التعليم العالي بين الواقع والطموح

يُعد التعليم العالي مطلبًا لتأسيس مجتمع متقدم قائم على اقتصاد المعرفة، وهذا الأمر يفرض الحاجة إلى توفير مواد مالية باهظة لتحقيق ذلك، ربما تعجز أمامها الموازنات العامة لكثير من الدول.

ومع أهمية التعليم العالي ودوره الحيوي في المجتمع فإنه يواجه في عصر العولمة والمعرفة عديدًا من المشكلات والتحديات التي تختلف باختلاف المجتمعات والمرحلة التاريخية التي تمر بها، فتجد في النامية منها على سبيل المثال الضغط الاجتماعي والشعبي المتزايد للالتحاق بالتعليم العالي، والزيادة في أعداد الطلاب مع ضعف الإمكانات المادية والحاجة الملحة لإيجاد مصادر متنوعة للتمويل.

 ويسعى التعليم العالي الى تحديد وظائف للجامعات و اهدافها السامية التي تسعى كل جامعه الى تحقيقها المتمثلة بالأهداف التالية: مجال البحث ، والاداء الاكاديمي (التدريس ) ، وخدمة المجتمع ، فالتركيز عليها يعطي للجامعة التكامل في الادوار والتركيز على واحده وإهمال الاخرى يؤدي الى احداث فجوة في تلك الوظائف يصعب التنفيذ لهذه الاهداف بطريقة متوائمة مع التطور التنموي في كافة مجالات الحياة العلمية والعملية .

فنلاحظ في العالم المتقدم الذي يصنع المعرفة ويطورها ويغيرها ويضيف إليها الجديد باستمرار وبسرعة كبيرة، فإن مشكلات التعليم العالي ترتبط بالمستقبل وتحدياته، والتنافس من أجل الحصول على التمويل، ومواجهة ما تفرضه آليات السوق من شروط ومواصفات للخريجين وغيرها من القضايا التي ترتبط بالمستقبل وصناعته، أي التركيز الفعلي على النوعية في الخريجين وليس الكم ، ودراسة متطلبات السوق لتغطية احتياجاته من الخريجين بعد التاهيل الكافي لهم ..

ولم يعد التقدم في الوقت الحاضر مقصورًا على التقدم في النواحي العسكرية أو السياسية أو الثقافية فحسب، بل إن جوانبه أصبحت متعددة وشامله وهذا يعني أنه لابد من تخريج قوة بشرية لها القدرة على التطوير والتحديث وذلك من خلال مؤسسات تربوية وبحثية متعددة متمثلة في الجامعات والمعاهد العليا ومراكز البحوث ويتحمل التعليم العالي رسالة بناء وتطوير الإنسان الذي يمثل الطاقة المتحركة والقوة الدافعة لعملية تطور المجتمع وتقدمه.

ولكن لكي تتحقق الأهداف المنشودة في ميدان التعليم العالي فهناك مجموعة من العلماء والمفكرين العرب اقترحوا مفهوم الشجرة التعليمية بدلًا من السلم ألتعليمي حيث يختلف مفهوم الشجرة التعليمية عن مفهوم السلم التعليمي في أن مفهوم السلم له بداية محددة، وتسلسل محدد، ونهاية محددة، بينما مفهوم الشجرة التعليمية له بداية فقط، كما أنه مرن ومتنوع في تسلسله، وليس له سقف محدد، فنهايته مفتوحة، تسمح بالامتداد والنمو مع تشعب ونمو المعارف والعلوم والفنون.

ومؤسسات التعليم العالي تعتبر قيمة حضارية، فهي الأداة والقوة التي تحرك الأحداث، وتعطي الدفعة التي تسير حركة التاريخ، لذلك الجامعات والمعاهد العليا تعتبر عنوان الشعوب، فالتقدم العلمي والتكنولوجي نتاجها، والخبراء والفنيون صناعها، ومن ثم فالجامعات والمعاهد العليا تعتبر المصنع الذي يمد المجتمع بالقوى البشرية المحركة لكل مقدراته، بل المبتكرة لكل مستحدثاته.

لذلك حظي التعليم العالي في السنوات الأخيرة باهتمام رجال الفكر التربوي، ويأتي في مقدمة هذا الاهتمام تمويل واستثمار التعليم العالي، وهذا يعني الاهتمام بمصادر تمويلية تساعد على استثمار رأس المال البشري في مرحلة التعليم العالي من أجل مستقبل مشرق وتخطيط واعِ منظم في الفكر الموهل القادر على مواكبة الحضارة والتطور التكنولوجي الواسع .

لذلك لا يمكن بأي حال ان نقوم بوضع الخطط في الاتجاه التربوي اي مراحل المدرسة بمنأى عن التعليم العالي لان ما تخرجه المدارس من قوى معرفية وعلمية وتربوية ينعكس على الجامعات في كل النواحي العلمية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها فهي حلقات متشابكة مع بعضها البعض لتنجب منظومة قيمية علمية اجتماعية اقتصادية معرفية لدى الطالب وفق أهداف ورؤى تشكل شخصية الطالب في جميع مراحل دراسته . 
د. صدام دراوشه – استاذ مساعد جامعة الدمام – السعودية 

شاهد أيضاً

الاستثمار، الرهان الخاسر!

جميعنا اصبح يعي و يدرك أن تحقيق نسب نمو وخلق فرص عمل وتحريك الدورة الاقتصادية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *