"أخطر إرهابي أردني"!

أبدع الزميل الصديق صالح عربيات، في مقاله أمس، عندما تحدث عما سماه “تنظيم اللبنة”؛ بوصفه الخطر الإرهابي الأكبر الذي يهدد الأردن. وهي التقاطة ذكية من الخبر المتعلق بإغلاق بعض مصانع الألبان التي تستخدم مواد لتحنيط الموتى (الفورمالدهايد) الممنوعة، من أجل زيادة تاريخ صلاحية مادة اللبنة، بالإضافة إلى استخدام حليب بودرة منتهي الصلاحية في صناعة الألبان.
موضوع مصنعََي الألبان، في مادبا وعين الباشا، اللذين اتّهما باستخدام المواد المحنطة، ما يزال غير ثابت، وثمّة آراء أخرى حول المادة المحنّطة، وهي أمور لن ندخل فيها أو نستبقها. لكن الفكرة الرئيسة من مقال صالح مهمة جداً، وتحيلنا إلى الأخبار اليومية حول المواد التي يتم إتلافها، لأسباب تتعلق بعدم الصلاحية أو الغش أو عدم توافر شروط النظافة والسلامة.
يكفي الإطلاع على الإحصاءات الصادرة عن مؤسسة الغذاء والدواء لمعرفة حجم هذا الخطر الداخلي. إذ قامت المؤسسة بـ34704 زيارات للأسواق الغذائية، وسجّلت 2720 مخالفة، استوجبت الإيقاف والإغلاق بنسبة 7.8 %. كما وجّهت 19400 إنذار، وأتلفت 2471 طناً من المواد. وهي نسب، بالضرورة، مرتفعة ومقلقة. لكنّنا بحاجة إلى مقارنتها بنسب العام السابق، لنعرف ما إذا كان إقرار القانون الجديد للغذاء والدواء قد أثّر على حجم المخالفات ونوعيتها ونسبها، بخاصة أنّ هذا القانون تضمن عقوبات رادعة كبيرة حقيقية، بالسجن والغرامة، والأهم العقوبات الرمزية بالتشهير بالمطاعم والمحال المخالفة، ونشر إعلانات في الصحف اليومية، على حساب أصحابها، تتضمن إعلاما بوقوعها في هذه المخالفات.
التنظيمات الإرهابية، سواء في الخارج أو الداخل، تمثّل بالضرورة خطراً أمنياً، وتهديداً حقيقياً، لكنّها تبقى إلى الآن حالة هامشية، بالرغم من المؤشرات المقلقة حول نسبة التطرف واتجاهاته المرتبطة بأنصار ومؤيدي تنظيم “داعش”. إلا أن “إرهاب المواد الغذائية” مسألة تمسّ حياتنا اليومية وأمننا الغذائي والإنساني. وشبكة المخدرات التي تجتاح الجامعات والمدارس أكثر تهديداً في مستوى انتشارها وسرعتها، فنحن، هنا، نتحدث عن البنية الصلبة في المجتمع، والمظلة التي إذا انهدمت فلا شيء بعدها يمكن إصلاحه؛ أيّ القيم الإنسانية والأخلاقية الأساسية!
قبل أعوام، شبّه الأستاذ عدنان أبو عودة حالة الأردن اليوم بالحالة التي كانت تسود في العامين 1969 و1970، بل أخطر من تلك المرحلة (1969-1970)، لأنّ العدو حينها كان يمكن تشخيصه وعزله ومواجهته عسكرياً وأمنياً، أمّا العدو أو الخصم اليوم فهو في الأحشاء الداخلية، ما يجعل من عملية المواجهة أكثر تعقيداً وصعوبة وقسوة.
نجحت الدولة، للأمانة، في العامين الأخيرين من تحقيق إنجاز ناعم، لكنّه ملموس وقوي ونافذ، ويتمثل في استعادة الأمن وسيادة القانون في كثير من المساحات التي فقدناهما فيها، فضبطت الثانوية العامة، وهاجمت أوكار العصابات والبؤر الجغرافية الخارجة على القانون، وضبطت سرقات المياه، وسارت في طريق استعادة الأراضي الأميرية، وفرضت هيبتها مرّة أخرى، وتراجعت حدة العنف الاجتماعي والجامعي. ومن الواضح أنّها هي التي أرخت الحبل، وهي التي شدّته بعد ذلك، تبعاً للظروف الإقليمية والداخلية!
اكتشفنا، لاحقاً، أنّ القصة لم تنته، فصعد المارد من مكان آخر من القمقم؛ الاعتداء على المعلمين، والمخدرات، والتطرف، والتلاعب بالمواد الغذائية، ما يشير إلى أنّنا بحاجة إلى أكثر من الترقيع، أي مشروع إصلاحي وطني متكامل.
نريد مسؤولين وأحزاباً وقوى مدنية تشكّل جبهة حقيقية، ترفع شعار “ثورة بيضاء”، وتدافع عن الأردن ليكون صلباً قوياً في الداخل، ويتجنب ما مسّ المجتمعات الأخرى التي كان مصدر الشرر فيها من الداخل، لا الخارج!

شاهد أيضاً

تشغيل أول محطة للطاقة الشمسية للمركز الدولي لضوء السنكروترون

بدأ المركز الدولي لضوء السنكروترون للعلوم التجريبة وتطبيقاتها في الشرق الأوسط (سيسامي) تشغيل أول محطة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *