الحلقة الثانية من مذكرات الأديب الأردني في بلغاريا "خيري حمدان": الطـريــق إلـى عمّـان (متـرو عمــان)

شارك الاديب الأردني المقيم في بلغاريا خيري حمدان “غربةjo” فصولاً من مذكراته الشخصية – (الطـريـق إلـى عمّــان)..
وينشر “غربةjo” مذكرات الأديب الكبير على حلقات … والحلقة الثانية بعنوان (متــرو عمّـــان)

* * *

– كيف الحال يا رجل، وين أيامك؟

غالبًا ما أحبط حين أتلقّى هذا السيل من الأسئلة والاستفسارات، عادّة ما أتعرّض لذلك خلال صيف عمّان القائظ، عدا عن الزحمة في كلّ شيء. زحمة العربات المكتظة، مداخل العاصمة المختنقة بحضور مكثّف للحياة على مدار الساعة.

“وين أيامك؟”. أخذتُ مؤخّرًا أفكّر مليًا بالعبارات التي حسبتُها ذات يومٍ عابرة! وين أيامك، يعني اين أيامك، دون تحديد الغابر منها، تلك التي قضت وولت وفقًا لمفاهيمنا الدنيوية. لا أدري أين أيامي، وما دامت قد انقضت لم يعد مهمًا إذا دفنت هنا أو هناك أو في البحر أو فوق غيمة، يومي الآن هاهنا، معك، وأنا أقف أمامك مندهشًا، في موقف لا أحسد عليه.

هناك إمكانية بالطبع للردّ بطريقة تقليدية مألوفة، كالمبادرة صائحًا “في هذه الدنيا”، وهل يمكنني أن أكون في دنيا أخرى وما زال في جعبة أيامي المزيد من الأنفاس المتلاحقة. وبدلا من ذلك سألته على الفور “أين مترو عمّان؟”.

تبادلنا نظرات غريبة وجادّة، خاصّة هو ابن عمّان، الصديق الذي رافقني في مرحلة المراهقة قبل ما يزيد على العقدين، ويبدو أنّه قد شعر بالحرج. كيف يجهل جهة مترو عمّان وهو الذي يعيش في ربوعها. حكّ رأسه بعض الوقت وقال “عليك أن تتجه إلى دوّار المدينة الرياضية، هناك ستجد مترو عمّان”. وسرعان ما ودّعني وانطلق مبتعدًا قبل أن يكتشف بنفسه حجم كذبته المتألقة الشجاعة. هي كذلك، متألقة وشجاعة، وهذا أفضل من ردّ متخاذل جبان آخر كما، “لا أدري عمّا تتحدث!”.

* * *

أعجبتني الفكرة، بل وبدات أؤمن بها، وبتّ أكثر إصرارًا من أيّ وقت مضىً للعثور على محطّة مترو عمّان. صادفت سيّدة مسنّة، سألتها عن مترو عمّان فأجابت على الفور “إن شاء قريبًا يا ابني” وضحكت كما تحسن أن تفعل سيّدات المجتمع القانعات المتفائلات. شعرت بالراحة تتسلّل إلى ذاتي ومضيت في سبيلي. توقّفت عن طرح السؤال ثانية. مترو أنفاق عمّان على بعد خطوات، على بعد سنوات.

قبل أن أغيّب جسدي في عربة أجرة للوصول إلى غايتي، أدركت بأنّي قد أخطأت ثانية وكان عليّ السير على الأقدام. ما يقلقني خلال قطع الطريق مشيًا، هو ضجيج العربات المتلاحقة فوق الجسور المعلّقة وتحتها، وإحدى عجلات سيارة الأجرة التي أقلّها الآن تجفلُ بعصبية بين الحين والآخر. شعر السائق بقلقي وقال بهدوء عمّاني مألوف.

– أكلت جورة في الطريق قبل ساعة، العجل بيلعب، لازم أصلحه قبل ما يقطعني بنص الطريق”. هززتُ رأسي موافقًا وحاولت ترجمة كلماته “سقطت عجلة السيارة في حفرة قبل أسبوع أو يزيد، لا أملك ما يكفي للتصليح، وعليّ جمع المزيد لتسديد قرض البنك وبعدها أفكّر بإصلاح العربة، الله يستر”. نظرتُ إلى وجهه الشاحب والسيجارة مشتعلة بوقاحة في فمه.

– عفوًا للسيجارة يا باشا. تماسكتُ نفسي واستعدت رباطة جأشي وسألته دون تردّد.

– لو سمحت، مترو عمّان. ضحك الرجل وقال “من عينيّ، سأوصلك حتّى جبل المريخ إذا أردت”. بادلته الضحك. السائق الأربعينيّ هذا سريع البديهة، حاضر الذهن وصاحب فكاهة. وضعني ما بين خيارين “مترو أنفاق عمّان أو جبل المريخ”. صحت به بعد لحظات.

– أرجوك، دعنا من جبل المريخ.

– وماذا عن مترو عمّان.

– مترو عمّان سينتظر قليلا، لنمضِ إلى جبل اللويبدة.        

( رابط الحلقة الأولى ) 
http://www.ghorbajo.com/permalink/5242.html

شاهد أيضاً

تشغيل أول محطة للطاقة الشمسية للمركز الدولي لضوء السنكروترون

بدأ المركز الدولي لضوء السنكروترون للعلوم التجريبة وتطبيقاتها في الشرق الأوسط (سيسامي) تشغيل أول محطة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *