الحلقة الثالثة من مذكرات الأديب الأردني في بلغاريا "خيري حمدان": الطـريــق إلـى عمّـان (سفريات الشام)

شارك الاديب الأردني المقيم في بلغاريا خيري حمدان “غربةjo” فصولاً من مذكراته الشخصية – (الطـريـق إلـى عمّــان)..
وينشر “غربةjo” مذكرات الأديب الكبير على حلقات … والحلقة الثالثة بعنوان (
سفريات الشام)..

لوهلة، فقدت القدرة على تمييز الاتجاهات. لكن، الأهمّ من ذلك أنّ العربة تسير. أنا محظوظ، جلست في المقعد الأمامي، في الخلف عائلة كاملة وانطلقت السيارة بالسرعة المألوفة فوق المئة كيلومتر بكثير على الطريق الصحراوي تجاه دمشق. تلك دمشق الآمنة وليست هذه التي تعاني من ويلات الحرب والتمزّق في الوقت الراهن.

شعرت برغبة جامحة أن أغمض عينيّ لبعض الوقت، الهواء المنبعث من الشباك منعش ودافئ، يجلب ويلات الذكريات المتدحرجة على الأرصفة. توقّف السائق في بعض الاستراحات للتسوّق والقيام بأعمال تجارية شبه قانونية، ما بين شراء أكبر قدر ممكن من السجائر وسلع رخيصة هنا وثمينة هناك، وحشوها في حقائبنا وفي مخابئ تقليدية في العربة، يتجاهلها غالبًا موظفو الجمارك رحمة بالعباد. ثمّ تمضي العربة تدرج فوق الأسفلت الأسود ليلا تجاه المدن العصيّة على النسيان.

وحدها فيروز تشقّ الصمت ورائحة النوم والكسل والانتظار والعبور. “راجعين يا هوى راجعين، يا زهرة المساكين”. نرجع لوهلة من الزمن ثمّ نحزم الأمتعة ونمتطي الطريق، تارة بالعربة وتارة أخرى بالقطار أو الشاحنة أو الطائرة وحتى على الحنطور. ما هذه اللعنة التي تصاحبنا منذ الولادة، لعنة طيّ المسافات والمضيّ نحو الأفق؟ وهذا الأفق يا صديقي لا ينتهي، إذا أخبرك أحد أنّ للأفق نهاية جميلة زرقاء لا تصدّقه. استمع إليه، هزّ رأسك علامة الموافقة، ابتسم له ودعه يتوهّم بأفق يقبل بأنصاف الحلول.

وحدها الطريق لا تسأم ولا تستسلم، تطرح المزيد من الغوايات، لا تخشى النهايات الصغيرة فهناك دومًا الكثير منها. في الخلف نامت العائلة والسائق يصمت ويدخّن، لم يتوقّف عن حرق السيجارة الواحدة تلو الأخرى. المسافة ليست طويلة، بضع ساعات ونجد أنفسنا على المركز الحدودي، نختم الجوازات على عجل ثمّ نمضي إلى الطرف الآخر.

أنهينا التفتيش الجمركي بسرعة، وانطلقنا، النعاس يداهمني والنوم يتمكن منّي. حلمت بأنّي عائد إلى عمّان، هناك تنتظرني أمّ وأخت وأصدقاء وأبناء، جميعهم يتأهبون كلّما اقترب الموعد واللقاء يتمّ رغم قسوة الوقت. نسبيّ في قفزاته المتواترة، الجمعة وخطبة المسجد وتجّار البطيخ صيفًا والتمر شتاءً ورائحة خبز الطابون الساخن، والزعتر والزيتون وأنتِ لا تفارقين مخيلتي ليل نهار.

رسمتك بعبق السفر وألوان قزح المتراقصة بعد مطر. حملتك طيفًا في ذاكرتي، أبقيتُ على ذكرى القبلة الأولى، لم يبقَ سوى ساعة أو أقلّ بكثير، والقهوة تعربد في المكان. قهوة السادّة الخفيفة تتطاير عبقة، تنفذ إلى الحواس دون عوائق.

سفريات الشام لا تتوقف ليل نهار، تنقل الأحلام والمشاعر والهموم والأمل، تنقلنا دون توقّف ما بين قلب ورئة، ما بين عين وجفن، تنقلنا ما بين دمشق وعمان.

– هل وصلنا مفترق الطريق لمطار دمشق الدولي؟

– ماذا دهاك يا رجل؟ صاح السائق وأضاف. لقد وصلنا العبدلي.

(رابط الحلقة الثانية)
http://www.ghorbajo.com/permalink/5342.html

شاهد أيضاً

تشغيل أول محطة للطاقة الشمسية للمركز الدولي لضوء السنكروترون

بدأ المركز الدولي لضوء السنكروترون للعلوم التجريبة وتطبيقاتها في الشرق الأوسط (سيسامي) تشغيل أول محطة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *