الحلقة الرابعة من مذكرات الأديب الأردني في بلغاريا "خيري حمدان": (رحلة الألــم 1)

شارك الاديب الأردني المقيم في بلغاريا خيري حمدان “غربةjo” فصولاً من مذكراته الشخصية ، وينشر “غربةjo” مذكرات الأديب الكبير على حلقات … والحلقة الرابعة بعنوان “رحلة الألم1″ :

ما زلت أذكر تلك المكالمة التي تلقيتها مع بداية القرن العشرين، مكالمة غيّرت مجرى حياتي. نعم، هناك أحداث ومواقف تقلب الأمور رأسًا على عقب.

– كيفك يا ابني؟ إنّه والدي، يهاتفني وصوته متهدّج مصحوب بلوعة.

– أنا بخير، ولكن يبدو أنّ الأمور عندكم ليست على ما يرام! تبع ذلك لحظات من الصمت القاتل، ثمّ مضى في حديثه قائلا بأنّ الأطباء يشكّون بإصابته بسرطان الرئة. كيف يمكن الردّ بعد الاستماع لهذه الاعترافات! أعتقد أنّ الكثيرين قد مرّوا بمثل هذا الموقف، ولكن أن تتلقّى الخبر على بعد بضعة آلاف من الكيلومتر من المصاب فهذا محزن ويدعو للإحباط.

– الأطبّاء يخطئون والأمل كبير. قريبًا سأكون في طرفكم. لكنّ الأطبّاء لم يخطئوا هذه المرّة، مع أنّي تمكّنت من إدخال السكينة نسبيًا إلى روحه المعذّبة.

مكالمة تحسبها خاطئة، تتمّ ما بين مئات الملايين من البشر في أنحاء المعمورة، بعضها يبشّر بفرح أو ولادة أو طهور أو تعميد وموت أيضًا، لكن هذا هو نصيب عائلتنا في تلك الآونة. الوقت ليس مناسبًا لطرح أسئلة مثل لماذا وكيف؟ هي اللعنة التي تلاحق البشرية لخلل في الخريطة الجينية، ولعدم اكتمال الحلم.

مقدّمات لرحلات لم تطل كثيرًا، لكن بما يكفي لخطّ يوميات الألم بحبر المورفين وحمّى تمزّق الأنسجة والصفائح الدموية المتكسّرة في الحدود الفاصلة بين الأجهزة العضوية.

متى أشدّ الرحال، كيف أتصرّف حيال هذه المعاناة؟

لم أكن أتوقّع أنّ البشرية قاصرة إلى هذا الحدّ، هي ليست كذلك ما دامت قد تمكّنت من اختراع الأجنحة المعدنية القادرة على ترويع النسور في تحليقها المرتفع وسط طبقة التروبوسفير متحدّية كلّ التغيّرات الطبيعية الممكنة، وتنجو إلا ما ندر في نقل المشاعر والطموح والعشق والألم إلى كلّ البقاع الممكنة وحتّى خطّ الاستواء والمتجمّدات الشمالية والجنوبية. ماذا نفعل هناك حيث الأبيض يطغى كالحلم؟ لا توجد دائمًا أسباب منطقية تشرح هواجسنا واندفاعنا، هو الفضول وحده ومعرفة أسباب الشقاء والوجود.

جلست فوق المحرّك، دعه يهدر قدر ما شاء، أسمعه شاكيًا متعبّدًا في رحلته الأبدية، والتي تبدو عبثية خلافًا لقوانين الفيزياء. يطحن المسافات، يقذف بعنف طبقات الهواء المقاومة إلى الخلف كي نتمكن من إكمال المسيرة إلى الأوطان.

مطار الملكة علياء الدولي مجدّدًا، وفي الانتظار ولأول مرّة ما تيسّر من الأهل والأحباء وابني ورجل شاحب الوجه، للتوّ بدأ رحلة الصراع مع الموت. أبي يقف عند المدخل بانتظار خروجي من البوابة، وهي المرّة الأخيرة التي سيحضر شخصيًا إلى المطار، فللوداع والاستقبال تجلّيات كثيرة أخرى.

العناق مصحوب بدموع الفرح والترقّب، وبعد أيام سنتوجّه في طريقنا إلى المدينة الطبية للاستماع ثانية إلى حكم طبيب الأورام والدمّ، ويبدو أنّ مهلة الأمل المتاحة لتقديم تقرير مغاير عمّا سمعناه قد انقضت، وقرارات شبيهة صدرت وتصدر كذلك بحقّ شبّان وطيارين لم يدخلوا مخدع امرأة بعد، لم يعانقوا عالمها الأنثويّ!

من قال إنّ مشروع الحياة عادلٌ دومًا؟ لكنّنا مع هذا، نتذوّقها، نعيشها حتّى وإن امتدت ساعة من الزمن.

يتبع..   


(رابط الحلقة الثالثة) 
http://www.ghorbajo.com/permalink/5470.html

شاهد أيضاً

تشغيل أول محطة للطاقة الشمسية للمركز الدولي لضوء السنكروترون

بدأ المركز الدولي لضوء السنكروترون للعلوم التجريبة وتطبيقاتها في الشرق الأوسط (سيسامي) تشغيل أول محطة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *