"تحمير العين"!

خرج الأردن نسبياً من الضغط الدولي الشديد الذي واجهه خلال الخمسة أعوام الماضية، عندما كان الجميع يطالبه بسياسة الحدود المفتوحة تجاه الأشقاء اللاجئين السوريين، ما أدى إلى تدفق مئات الآلاف منهم، أغلبهم اليوم يقيمون خارج مخيمات اللاجئين (84 %)، في المدن والمحافظات المختلفة.
تجاوزنا تلك الضغوط لمّا بدأت أوروبا نفسها تواجه تداعيات الأزمة، بعدما فتحت تركيا المجال للاجئين للعبور إلى أوروبا، فاضطرت إلى خلع الخطاب الإنساني الجميل الذي تسوّقه للخارج، وبدأت تأخذ أغلب الدول الأوروبية إجراءات حاسمة لمنع تدفق اللاجئين، الذي اعتُبر من أخطر التحديات التي تواجه أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية. ثم قامت دول أوروبا لاحقاً بالاتفاق مع تركيا على دعمها بمليارات الدولارات مقابل عدم السماح بعبور اللاجئين واستيعابهم في أراضيها.
المشكلة لا تقتصر، فقط، على ما قام الأردن به إلى الآن، مع عدم تقديم مساعدات حقيقية تذكر، باستثناء تلك المباشرة اليومية لتغطية كلفة الحياة في المخيمات؛ من غذاء وأمور أساسية للاجئين، بينما خارج المخيمات بدا الأمر وكأنّه لا يعني العالم والعرب.
الآن، هناك قرابة 16 ألف لاجئ سوري شقيق في أوضاع غير إنسانية، في مخيمي الحدلات والركبان، بالقرب من الحدود الشمالية الأردنية، وأغلبهم -كما ذكرنا سابقاً- من الأطفال والنساء. ويتولى الأردن، مع المنظمات الإغاثية الدولية، التعامل مع الحالات الإنسانية، بإدخالها للعلاج، بخاصة النساء الحوامل والأطفال المرضى.
لوحظ الفرق واضحاً في خطابات المسؤولين الأردنيين في الآونة الأخيرة، تحديداً بعد أزمة اللاجئين في أوروبا، والاتفاقيات الأوروبية-التركية؛ إذ لم يعد يشعر المسؤولون لدينا بأنّهم تحت الضغط الدولي، كما كان الأمر سابقاً، وأنّهم في “موقف ضعيف”، بل نحن في موقف قوي، مما انعكس على لغتهم وخطابهم، كما شاهدنا وزير الدولة لشؤون الإعلام، د. محمد المومني، في مقابلته الأخيرة مع قناة “العربية”.
صحيح، كما ذكر الوزير، أن هناك أوضاعا وشروطا أمنية مرتبطة باستقبال الأشقاء اللاجئين. لكن ليس ذلك وحسب. فمن المفروض أن يكون الأمر واضحاً، وعلى العالم أن يسمع للأردن. فإذا كانت أوروبا شعرت بأنّها مهددة بالانهيار من مئات الآلاف من اللاجئين، فكيف يمكن أن يكون الوضع بالنسبة لدولة محدودة الموارد، تعاني من ظروف اقتصادية معقدة وصعبة، فيها نسبة عالية من البطالة والفقر ومحدودية البنية التحتية، وغلاء المعيشة؟!
سياسة “تحمير العين” أصبحت ضرورية بالنسبة للأردن، لأنّ هناك خيبة أمل حقيقية لدينا من المجتمع الدولي والدعم العربي في موضوع اللاجئين. وحتى في الجانب الإعلامي، هناك ظلم شديد وقع على الأردن، الذي قام بدور حيوي وكبير في توفير الملاذات الآمنة للأشقاء السوريين من نار الحرب والدمار الشامل. وإذا كان هناك تقصير وتخاذل فليس من الأردن، الذي حمل جزءاً كبيراً من العبء إنسانياً واقتصادياً، بل هو موقف دولي مخجل، وعربي مخجل أكثر، وإنكار وجحود لما يقوم به الأردن!
يعوّل أصحاب القرار كثيراً على مؤتمر لندن بداية الشهر المقبل، بأن يكون نقطة تحول حقيقية لتفهّم المجتمع الدولي معاناة الأردن ودعمه، بخاصة أنّ أرقام الأمم المتحدة تشير إلى أنّ فرص عودة اللاجئين في المدى المنظور محدودة جداً، فأغلبهم يحتاج إلى قرابة 17 عاماً، وهناك نسبة كبيرة لا تعود، ما يعني أنّ المنظور لا بد أن يتغير نحو الرؤية التنموية، المستدامة، بعيدة المدى، بما يوفّر فرص عمل ويخدم البنية التحتية، كمتطلبات أساسية وضرورية لقدرة الأردن على التحمل.
المطلوب رواية إعلامية أردنية متماسكة قوية، مدعّمة بأرقام واقعية وصور حيّة، وإحراج العالم والعرب، وإنصاف الأردن واقتصاده وشعبه وإظهار حجم العبء الهائل.
محمد ابو رمان – الغد 

شاهد أيضاً

تشغيل أول محطة للطاقة الشمسية للمركز الدولي لضوء السنكروترون

بدأ المركز الدولي لضوء السنكروترون للعلوم التجريبة وتطبيقاتها في الشرق الأوسط (سيسامي) تشغيل أول محطة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *