الحلقة الخامسة من مذكرات الأديب الأردني في بلغاريا "خيري حمدان": (رحلة الألــم 2)

شارك الاديب الأردني المقيم في بلغاريا خيري حمدان “غربةjo” فصولاً من مذكراته الشخصية ، وينشر “غربةjo” مذكرات الأديب الكبير على حلقات … والحلقة الخامسة بعنوان “رحلة الألم2” :

– يا سيدي، أرجو أن يكون إيمانك بالله كبير، لقد أنهيت دوري وأجد بأنّك مصاب بسرطان الرئة. أتمنّى أن لا تعتبر ذلك بمثابة حكمًا وقرارًا لا يقبل النقاش أو الجدل أو الشفاء.

– ولكن يا دكتور..

– توكّل على الله وهاهو ابنك برفقتك، سيبدأ الآن دور طبيب العلاج الكيميائي، هذه وثيقة التحويل والشفاء بيد الله سبحانه وتعالى.

تناولت الوثيقة من الدكتور وأمسكتُ بذراع والدي محاولا قدر الإمكان أن أبثّ الثقة والعزم في روحه، لا يمكن تصوّر ما يعتمل في ذاته في تلك اللحظة، لكنّها لحظات عصيبة ومؤلمة، مرّ بها الكثيرون من المصابين. الطريق نحو عيادة العلاج الكيميائي في مدينة الحسين الطبية، تمرّ عبر بضغة أروقة، وأخيرًا وجدنا طابورًا ليس بالقصير بانتظار بدء العلاج المتقدّم لمواجهة بطش الخلايا السرطانية.

– يجب ان تحضروا في وقتٍ مبكّر، مراجعو هذه العيادة في تزايد مستمرّ، البعض يحضر في الخامسة صباحًا، تصوّر هناك طيّارون في ربيع العمر مصابون أيضًا بالسرطان.

كمن يحاول إطفاء جه النار بالزيت والقطران، ما هذا الكيميائي الذي يهدم في طريقه الأخضر واليابس! لكن، لا بديل عن هذا الحلّ في الوقت الراهن، عسى أن تتفتّق عبقرية الإنسانية عن أدوية وطريقة حياة قادرة على قهر السرطان إلى الأبد.

قد تتمكّن الإنسانية من ذلك ذات يوم، فالإنسان يسعى للتوصّل نحو الكمال، أن يقترب من عطمة الخالق، ولا ينسى بأنّ الخالق قادر على قهره باسترداد أمانته ليوقف وقع الحياة بحلول الموت الأبديّ.

هناك بعض الحبّ والودّ الذي يصاحب مراحل الألم، هي دائمًا مرتبطة باستجداء الأمل، أجملها الحضور الكبير لأبناء العمومة والجيران والدعاء ومحاولة اجترار اليأس، أذكر كذلك صديق الدراسة الثانوية دكتور التخدير المؤمن والقدير عبد الجابر المسعود. لعب هذا الرجل دورًا هامًا في رحلة الأمل. كان والدي ينتظر حضوره بلهفة، ويشعر بحالة فريدة من السكينة والهدوء والإيمان. ولم يبخل علينا الصديق العزيز عبد الجابر بالنصيحة وبتقنين الأدوية حسب الحاجة والضرورة، وكان بمثابة أخٍ لم تلده أمّي طوال تلك المرحلة وما بعد ذلك بكثير.

هي مسألة وقت وتبدأ عقاقير التخدير، بهدف قهر الألم لا الداء، ضرورة قصوى أدّت وتؤدّي للإدمان. أن تدمن الغيبوبة عن الواقع من أجل البقاء في مدارات تسمو فوق موجات المعاناة، تذهب وحيدًا في عوالم لا يدركها سوى المحكوم بالسير نحو خوض غمار معركة قاسية، لا يتوانى العدوّ عن استخدام كلّ ما بحوزته من طاقة وعتاد وحيلة، لاحتلال المزيد من المساحات لفرض السيطرة بعد حين على كافّة الأعضاء الحيوية.

العقاقير مختلفة الألوان والتأثير، ترتفع قيمة الجرعة وتبدأ الأوقات الفاصلة ما بينها بالتراجع، حتّى تفقد قدرتها على التأثير لتبدأ مرحلة الحقن.

كلّ هذا والحياة تسير، لا تتوقّف لحظة واحدة. الأعراس تتوالى، والخيم ترتفع لاستقبال الضيوف والمهنّئين، آخرون يعلنون الولادة بصراخ خافتّ يتوه بين موجات الضحك والفرح الطاغي في أنحاء البيت، وطهورٌ في بيت الجيران، والموت لا يستحي ويخطف ما طاب له من الحيوات هنا وهناك. ونحن في انتظار لحظة الخلاص مهما كانت بصماتها. والخلاص بيد الخالق شئنا ام أبينا، هي سنّة الحياة، نعشقها وفي لحظة ما تعلن تخلّيها عنّا دون مقدّمات. 

(رابط الحلقة الرابعة)
http://www.ghorbajo.com/permalink/5592.html

شاهد أيضاً

تشغيل أول محطة للطاقة الشمسية للمركز الدولي لضوء السنكروترون

بدأ المركز الدولي لضوء السنكروترون للعلوم التجريبة وتطبيقاتها في الشرق الأوسط (سيسامي) تشغيل أول محطة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *