"يُحكـى أنّ وطنًــا".. مذكرات الأديب الأردني في بلغاريا خيري حمدان "الحلقة السادسة"

شارك الاديب الأردني المقيم في بلغاريا خيري حمدان “غربةjo” فصولاً من مذكراته الشخصية ، وينشر “غربةjo” مذكرات الأديب الكبير على حلقات … والحلقة السادسة بعنوان “يُحكى أنّ وطنًا”..

الغربة لا تؤلم بل الاغتراب والسفر، أن تقنع جسدك بقدرته على الانتقال من عالم إلى عوالم أخرى، مختلفة، سهلة المذاق، مرّة، حارقة وحامضة. أن تتعوّد الجلوس لساعات طويلة في مقعد يتّسع لراكب من الناحية الفيزيائية، دون همومه وطموحه لذا يبدو السفر مؤلمًا. عليك أن تضع جانبًا الذكريات القريبة التي عايشتها قبل أيام وساعات، أن تطبع وجوه المودّعين في المطار أو ساحة السفريات الخارجية في الذاكرة، تلتقف الكلمات الأخيرة، ومشهد الوجوه الساهمة التائهة في الأفق، الغربة لا تؤلم بل وجع السفر والاغتراب يا صديقي.

قبل أيام وبعد منتصف الليل بقليل، اتّصل بي إيفان بتروشينوف صديق بلغاريّ ممثّل شهير، قريب الدمعة طيّب القلب، انتحل شخصبة بابا نويل في دعاية الكوكا كولا قبل سنوات. اتّصل بي مرتبكًا، أخبرني بأنّه يتواجد في بيته الريفي على بعد 80 كيلومتر من العاصمة صوفيا، وبينما هو جالس يشاهد برنامجًا متلفز، وإذا بغريب يدقّ زجاج النافذة.

أخبرني بأنّه قد أصيب بصدمة حين شاهد ثلاثة أطفال مبتلين يرتجفون من شدّة البرد، وامرأة حامل وربّ العائلة.

أخبروه بأنّهم من العراق وسألوه بإنجليزية سيّئة إذا ما كانوا يتواجدون في صربيا؟ عندها قرّر الاتصال بي لتقديم المساعدة والترجمة للعائلة اللاجئة القادمة من القارّة الآسيوية بحثًا عن وطن بديل لا يعرف القتل والتنكيل.

كان بإمكان بتروشينوف تشغيل محرّك السيارة والانطلاق بهم إلى أقرب منطقة حدودية مع صربيا، بعد أن تخلّى عنهم المهرّبون وتركوهم في منطقة مجهولة، أخبروهم بأنّها جزء من الأراضي الصربية. لكنّ الفنان فتح لهم بيته، قدّم لهم الطعام والمسكن والدفء في تلك الليلة، ليمضي بهم صباح اليوم التالي إلى الغرب، ليقتربوا قليلا من وجهتهم الأخيرة – ألمانيا.

كلّ هذه الهجرة، بعيدًا عن بلاد العرب، عن عوالم فقدت الأمن والسلام في زمن الحروب الأهلية والنزاع الطائفي!

هذا ليس حديثًا في السياسة، بل استجداء لقليل من الحياة والإنسانية والسلام. لا، لم نرتوِ من هذه المصطلحات التي نقرأها كلّ يوم في الصحف ووسائل الإعلام، لأنّنا نحتاجها بشدّة على مدار الساعة، نتلهّف لها ولا نملّ تكرارها.

هذه مجرّد عائلة ما بين مئات الآلاف من العائلات والعقول والمواهب والمقدّرات البشرية الباحثة عن الخلاص والسلام والطمأنينة في ربوع أوروبا، وكان أولى بدول المشرق العربي، احتضانهم والاستفادة من قدراتهم لتطوير عالمنا، كي يلحق بركب الحضارة الإنسانية، بدلا من تحطيم الآمال والطموح على صخور التعنّت والتسلّط العنفوي.

العائلة العراقية محظوظة نسبيًا وكان من الممكن أن تطرق أبواب متطرّفين من حالقي الرؤوس، وليس من المتوقع أن يقدّموا لهم الكلأ والمسكن والدفء والحنوّ.

كم نحن بحاجة لأوطان قادرة على تقديم الحماية والأمن لأبناء الوطن للبقاء في كنفه والعمل على تطويره وتنمية مجتمعه، وآه يا وطن!

(رابط الحلقة الخامسة)
http://www.ghorbajo.com/permalink/5729.html

شاهد أيضاً

تشغيل أول محطة للطاقة الشمسية للمركز الدولي لضوء السنكروترون

بدأ المركز الدولي لضوء السنكروترون للعلوم التجريبة وتطبيقاتها في الشرق الأوسط (سيسامي) تشغيل أول محطة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *