ملحمة "اهل القرى"

يحكى عن قرية صغيرة وادعة بين بحر ونهر، تنعم بما شاء الله وكان من بساتين وجنان، يستيقظ اهلها على صوت اذان الفجر، ويغدون على قرع اجراس الكنيسة.

في ذات صباح استفاق اهل القرية على وقع فوضى واصوات النباح، خرجوا ليجدوا اشخاصا غرباء في قريتهم الامنة، وكعادتهم بادر اهل القرية بالترحيب بالضيوف ودعاهم المختار الى بيته. بعد ساعات قليلة وصل الى اهل القرية خبر هؤلاء الغرباء، انهم طريدوا القرى البعيدة، فقد ضاق بهم الناس ذرعاً هناك، فقرروا ان يرسلوهم الى أبعد القرى عنهم ليتقوا شرورهم.

بادر المختار بالترحيب بهم على سفرة الغداء واطلعهم على شروط اهل القرية ان ارادوا البقاء، فكشروا عن انيابهم وسقطت اقنعتهم، غرباء مدججين بالسلاح ، تفوح منهم رائحة الكراهية النتنة، والخيانة البغضاء، حرقوا بيت المختار بعد ان اهانوه، وركلوا الصغار “ببساطيرهم” وضربوهم بأعقاب “البنادق”، حتى النساء لم تسلم من تلصصهم على اقل تقدير.

اجتمع المختار سراً بأهل قريته ليلاً، وقرروا ان يستعينوا بأشقائهم “اهل القرى” المجاورة، فأرسلوا الرسل طالبين منهم يد العون ومحذرين من امتداد يد الغرباء الى قراهم ايضاً.

لم يستيقظ اهل القرية ذاك اليوم على صوت اذان الفجر، فقد قتل الغرباء الشيخ “حسين” في محرابه، ولم يصيح ديك “ابومصباح” الذي فقد قدرته على الصياح من شدة خوفه ليلة امس من صوت ازيز الرصاص، حتى الشمس اشرقت ولم تبعث الدفء على غير عادتها.

توالت الايام…. وفي كل يوم تفقد القرية شاباً حاول الدفاع عن ارضه او عرضه، حتى جاء الفجر المنشود، وصل “اهل القرى” المجاورة على ظهور خيولهم المحجلة، يحملون ثورة بعيونهم، ونيران في قلوبهم ، عقدوا الحواجب ، وشمروا عن الزنود.

اجتمعوا على رماد بيت المختار، ولم يبق منه الا حجرة خارجية كان قد بناها لتكون “كتاباً” لتعليم اطفال القرية القراءة والكتابة، ولكنها تحولت الان الى مستوصف يطبب به الجرحى، وما ان دخلوها حتى ارتفعت صرخات الغضب والوعيد، لهول ما وجدوه من تنكيل في اشقائهم، وفي هذه الاثناء وصل الغرباء ….

وصل الغرباء وعددهم لا يتجاوز اصابع اليدين، انتشروا في اركان “المستوصف” او “الكتاب” ، ونظر زعيمهم ويدعى “كوبان”  في وجوه “اهل القرى” الغاضبة الحانقة واحدا تلو الاخر، ثم قال لهم بلغة عربية ركيكة ” لا اريد ان ارى احداً منكم هنا، وغروب الشمس موعدنا”، وقف المختار في وجهه معتدا بجيرانه واشقائه، وقال: “بل انتم من سيغادر قبل غروب الشمس”، وما ان اتم كلماته حتى اخترقت رأسه رصاصة اوقعته شهيدا ً ،جسده كجذع شجرة صماء، ودمائه رسمت خطوطاً متعرجة كأغصان الزيتون ، صرخت زوجة المختار الحبلى، فوكزها احدهم لتقع على صدر زوجها، تأن تارة و تشتم رائحة المسك من دم زوجها المغدور تارةً اخرى حتى سقط جنينها، وقبل ان تلفظ انفاسها الاخيرة اوصت ان يسمى طفلها “فلسطين”.

خرج الغرباء بعد فعلتهم الشنيعة،  وتعالت خلفهم همهمات اقرب الى صوت دوي الدبابير، ثم خرج “اهل القرى”  وصرخوا بصوت واحد على الغرباء بلغةٍ عامية وكلاً بلهجة موطنه: ” ثاني مرة سكر الباب وراك والا بكسر ايدك… لو سمحت”.

عبدالله وشاح – جدة – السعودية 

 

شاهد أيضاً

الاستثمار، الرهان الخاسر!

جميعنا اصبح يعي و يدرك أن تحقيق نسب نمو وخلق فرص عمل وتحريك الدورة الاقتصادية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *